?>

حوار رمضاني مع الأستاذ النقيب عبد اللطيف أعمو

S-2

أدرجت جريدة البيان الناطقة بالفرنسية، ضمن موادها الرمضانية، سلسلة من الحوارات المطولة حول مواضيع مجتمعية ذات الراهنية. وبالمناسبة، استضافت الأستاذ النقيب عبد اللطيف أعمو في عدة حلقات متتالية، هذه ترجمتها باللغة العربية، تعميما للفائدة:

كما يمكنكم الاطلاع على النص الأصلي للحوار باللغة الفرنسية في حلقات (تقديم، الجزء الأول، الجزء الثاني، الجزء الثالث، …) بالنقر على الصور أسفله

PRESENTATION

في هذا الجزء الأول من الحوار، يتناول عبد اللطيف أعمو المخاوف التي أعرب عنها العديد من المراقبين بشأن تطور الممارسات المؤسساتية منذ تولي حكومة عزيز أخنوش السلطة التنفيذية. ودون مبالغة، يحلل الإصلاحات الأخيرة على ضوء دستور 2011، ويحذر من أسلوب الحكم الذي يتسم، في رأيه، بضعف التشاور مع الهيئات الوسيطة. وبين الأغلبية البرلمانية ومشاركة المواطنين وتوازن السلطات، ويبحث في المخاطر التي قد تشكلها هذه الديناميكيات على سيادة القانون والديمقراطية التشاركية.

PARTIE 1

في هذا الجزء الثاني من الحوار، يناقش الأستاذ النقيب عبد اللطيف أعمو، الإصلاحات التي تؤثر على مهنة المحاماة. ويتناول مخاوف المحامين، والتحفظات التي أبداها القضاء الجالس، وقلق الموثقين والوكلاء (المهنيين القانونيين التقليديين)، داعيًا إلى إصلاح تشاركي يحافظ على استقلالية جميع العاملين في النظام القضائي ويضمن محاكمة عادلة.

وفيما يتعلق بالمحامين، تحاول الحكومة فرض إصلاحات ضريبية وإجرائية دون التشاور الفعلي مع نقابات المحامين. فهل يُعدّ هذا محاولةً لتغيير دور المحامين وتحويلهم من شركاء في النظام القضائي إلى مجرد “وكلاء ضرائب”، متجاهلةً استقلالية المهنة؟

PARTIE 2

وفيما يلي نورد ترجمة الحوار كاملا باللغة العربية:

1. يرى العديد من المحللين السياسيين والخبراء القانونيين، بإننا نشهد، منذ وصول حكومة أخنوش، انزلاقًا سياسيًا ومؤسساتيًا. ما رأيكم؟

أعمو:  بخصوص «الانزلاق السياسي والمؤسساتي»، ينبغي في رأيي تجنب الصيغ المبالغ فيها، لكن، توجد اليوم مؤشرات متطابقة تتركنا نعتقد بأننا نشهد تراجعًا مقلقًا في الممارسة المؤسساتية منذ وصول الحكومة التي يرأسها عزيز أخنوش.

ولا يمكن تناول المسألة من منظور عاطفي. بل يجب تحليلها على ضوء معايير دستور 2011 الذي يقوم على عدة ركائز أساسية، من ضمنها: فصل السلط وتوازنها وتعاونها (الفصل 1)، دور الجمعيات في إعداد وتنفيذ وتقييم القرارات العمومية (الفصل 12)، المشاركة المواطنة (الفصلان 13 و14)، الحق في الطعن الفعّال أمام القضاء (الفصل 118)، استقلال السلطة القضائية (الفصل 110 وما يليه).

فعندما يتم اعتماد إصلاحات مهيكلة دون تشاور جوهري وعميق مع الفاعلين المعنيين، يمكن بشكل مشروع التساؤل حول مدى مطابقة المنهجية لروح الفصلين 12 و13.

ولا مجال للإنكار بأن عددًا من المبادرات التي اتخذتها الحكومة الحالية أثارت مخاوف عميقة. وهذا بالتأكيد ليس اتهامًا منحازا سياسيًا، بل هو ملاحظة منهجية. ذلك، أن الإصلاحات الكبرى يتم إعدادها دون تشاور حقيقي، وتُعتمد بفضل أغلبية عددية مريحة، وتُفرض على مهن محمية ومحصنة دستوريًا.

وتبدو الأغلبية البرلمانية، للأسف، وكأنها تُفضل الفعالية العددية على الحوار والتشاور. بحيث أن إعداد نصوص تشريعية كبرى، يتم غالبًا دون استشارة الهيئات الوسيطة والمجتمع المدني. مما يُضعف دولة القانون، ويهدد الديمقراطية التشاركية، ويُؤدي إلى تآكل الضمانات المؤسساتية.

وهذا كله يفرض استنتاجا أساسيا، مفاده أن امتلاك أغلبية برلمانية لا يُعفي بالتأكيد من احترام مبدأ المشاركة المكرس دستوريًا.

هذه الانزلاقات تستوقفنا جميعًا بشأن الانزلاق نحو تقويض مصداقية الفضاءات الديمقراطية، وتطرح علينا تساؤلات عميقة، ليس فقط حول مضمون النصوص، بل حول المنهجية المعتمدة، التي تتسم بضعف التشاور، وتهميش الهيئات الوسيطة، واللجوء المنهجي والمتكرر إلى الأغلبية العددية بدل التوافق المؤسساتي.

لم يعد الأمر يتعلق بسوء فهم تقني أو بخلافات قطاعية بسيطة. ما يجري اليوم في المغرب أعمق من ذلك: إنه يتعلق بطبيعة توازننا المؤسساتي المنبثق عن دستور 2011.

فمنذ عدة أشهر، يتكرر نفس النمط: إصلاحات متسارعة، محدودية الصيغ التشاورية، أغلبية برلمانية مُعبأة كآلة ساحقة، مهن منظمة يُطلب منها التكيف أو الصمت.

إن الديمقراطية لا تقتصر على حسابات رقمية للأصوات، بل تقتضي الإنصات للأصوات المزعجة. وهي لا تُقاس فقط بعدد القوانين المعتمدة، ولا تختزل في حساب الولاءات البرلمانية، بل تقوم على توازن السلط واحترام الهيئات الوسيطة، وقبل كل شيء، فهي تعتمد على جودة الحوار الذي يسبقها.

2.يكاد لا يوجد مجال من مجالات الحريات والحقوق لم يتعرض لهجوم مباشر من الحكومة. يمكن أن نذكر، بشكل متفرق، النصوص التشريعية المتعلقة بمهن المحاماة، والعدول، والموثقين، والصحفيين، والأساتذة الباحثين، وكذلك تلك المتعلقة بحق الإضراب… هل هي محاولة لإخضاع الهيئات الوسيطة؟

أعمو:  عندما تعبر عدة مهن منظمة — المحامون، العدول، الموثقون، الصحفيون، الأساتذة الباحثون — في الآن ذاته عن انزعاج عميق، فالأمر لم يعد انزعاجًا قطاعيًا، بل يصبح إشكالا بنيويا. ويجب التساؤل عن الأسباب الحقيقية، المعلنة أو غير المعلنة، لهذه المحاولات المتعمدة لإخضاع الهيئات الوسيطة.

كما يجب فهم طبيعة الهيئات الوسيطة، التي ليست خصمًا للحكومة ولا عوائق أمام الدولة. بل هي تشكل مجالات استقلال ضرورية لدولة القانون، وهي قبل كل شيء موازين قوى ضرورية. وكل إصلاح يُضعف استقلالها يُضعف التوازن المؤسساتي برمته.

ومن الناحية النظرية، وبالرجوع إلى الدستور، فإن الاستقلال المهني والمؤسساتي لهؤلاء الفاعلين الذين يُهيكلون التوازن الاجتماعي والديمقراطي، مكرس في الفصل 28 (ضمان حرية الصحافة)، والفصل 29 (حريات الاجتماع والتجمع والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي)، والفصل 107 (استقلال السلطة القضائية)، والفصل 120 (الضمانة الأساسية للحق في محاكمة عادلة)، وكذلك في القوانين التنظيمية المتعلقة بالقضاء، وهيئة المحامين، والمجلس الوطني للصحافة.

لكن في الواقع، فهذه النصوص الأخيرة، سواء تعلق الأمر بجبايات المهن المنظمة، أو تنظيم حق الإضراب، أو تقنين الصحافة، تبدو وكأنها تعكس نموذجًا عموديًا يمكن تفسيره كمحاولة لإخضاع الهيئات الوسيطة.

وما يثير القلق أكثر هو النزعة إلى المركزية، والمراقبة، والتأطير المفرط لهذه المهن المنظمة. والديمقراطية الناضجة تحمي سلطاتها المضادة ولا تقوم بتأديبها.

3.لا شك أن هذه هي أكثر فصول هذه الولاية إثارة للجدل؟

أعمو:  من بين الإصلاحات الأكثر إثارة للجدل، نجد من جهة محاولة فرض إصلاحات جبائية وإجرائية على المحامين. ومن جهة أخرى، تُعتبر النصوص المؤطرة لحق الإضراب مفرطة في التقييد، إضافة إلى إصلاح قطاع الصحافة عبر لجنة مُعيّنة بدل انتخابات ديمقراطية.

كما فهذه المشاريع التشريعية تم إعدادها دون تشاور واسع أو استشارة المجتمع المدني بشأن مواضيع حساسة مثل قانون المسطرة المدنية أو القانون الجنائي.

وهذه القرارات ليست مجرد اختيارات تقنية بسيطة، بل تعكس نزوعا حادا نحو مركزة السلطة وتقليص استقلالية المؤسسات.

ومن الواضح أن ثلاثة مجالات رئيسية تتركز فيها التوترات: أولاً، الحريات العامة. ثانيًا، تنظيم المهن المستقلة. ثالثًا، حق الإضراب. وهذه المجالات ليست تقنية، بل هي دستورية. وعندما تتحول هذه الركائز الديمقراطية إلى بؤر دائمة للتوتر والاحتجاج، فذلك ليس صدفة، بل يكشف عن مشكلة بنيوية.

كما أن استقلال القضاء (الفصول 107 وما يليها)، وضمان المحاكمة العادلة (الفصل 120)، وحرية الصحافة (الفصل 28)، وحق الإضراب (الفصل 29)، ليست امتيازات تمنحها الحكومة، بل هي ضمانات دستورية. ومن هذا المنطلق، فإن نزوح الأغلبية نحو إضعاف الهيئات الوسيطة يُضعف الديمقراطية نفسها.

4.بخصوص المحامين، هل يحاول الجهاز التنفيذي تغيير دور أصحاب البذلة السوداء وتحويلهم من شركاء للعدالة إلى مجرد «أعوان جبائيين»، في تجاهل لاستقلال المهنة؟

أعمو:  مهنة المحاماة ليست مهنة تجارية عادية. إنها جهاز مستقل مساعد للعدالة وأساسي للمحاكمة العادلة.

فالقانون رقم 28-08 ينظم مهنة المحاماة ويكرس استقلالها، واستقلالية الهيئات، والسر المهني (المادة 36). وهذا الاستقلال لا يشكل امتيازًا فئويًا، بل هو امتداد للفصل 120 من الدستور الذي يضمن لكل متقاضٍ الحق في محاكمة عادلة. ومن هذا المنظور، يمثل المحامي ركيزة من ركائز ضمانات المحاكمة.

ويجب مقاربة أي إصلاح على ضوء مبدأ الاستقلال، والحق في المحاكمة العادلة (الفصل 120 من الدستور)، والمعايير الدولية المتعلقة بدور هيئة المحامين (مبادئ هافانا للأمم المتحدة، 1990). وأي تأطير مفرط له يُعد انتهاكًا مباشرًا لهذه الضمانات ويُضعف العدالة نفسها.

فالأمر لا يتعلق هنا برفض الإصلاح في حد ذاته، فكل إصلاح مشروع من حيث المبدأ. لكن عندما يُفرض دون تشاور حقيقي مع الهيئات، يمكن أن يُنظر إليه كمحاولة لتغيير دور المحامي.

فمهنة المحاماة ركيزة للمحاكمة العادلة. غير أن الإصلاحات المقترحة اعتُبرت تدخلاً إداريًا في التنظيم الداخلي للهيئات، ومساسًا غير مباشر باستقلال الدفاع.

ويُذكر أن مهنة المحاماة تُعتبر جهازًا دستوريًا ضروريًا يدخل ضمن التزامات الدولة، لكنها لا يمكن أن تُؤمَّن من طرف الدولة نفسها، لأنها لا يمكن أن تكون في آن واحد حكمًا وطرفًا. ومن هنا تنبع ضرورة إسناد هذه المهمة إلى هيئة وسيطة مع كل الضمانات اللازمة (الاستقلال، الحصانة، الحق في محاكمة عادلة، …)

ومن المناسب التذكير بأن ممارسة حق الدفاع أمام المحاكم، الذي يعتبر حقا دستوريا، تقتضي تعزيز مكانة مهنة المحاماة من خلال الاستفادة من آليات متعددة للدعم، خاصة وأن المهنة منتشرة اليوم في جميع أنحاء البلاد، مما زاد من الأعباء التي يتحملها المحامون أنفسهم دون حق أو حماية أو التزام، خصوصًا مع صعوبات إحداث جهاز للتكوين المهني وتغطية تكاليف الولوج إلى العدالة (الحق في الدعم والمساعدة العمومية).

إن استقلال الدفاع ضمانة دستورية ضمنية لدولة القانون. والمحامي يعتبر نفسه كضامن للحريات الفردية. وبالتالي، فإن إضعاف استقلاله هو إضعاف للحق في محاكمة عادلة.

5.ما هي أبرز المؤاخذات التي توجهونها لمشروع القانون الذي عارضه بقوة القضاء الواقف؟

أعمو:  تركزت الانتقادات أساسًا على نقص الاستقلال الإجرائي، وتركيز السلطات، وتقليص الضمانات المهنية.

وأي إصلاح يُقلص الضمانات النظامية أو يُعزز بشكل مفرط التسلسل الهرمي الداخلي، يجب تقييمه على ضوء مبدأ الاستقلال الوظيفي المضمون دستوريًا.

ومن المؤكد أنه عندما يعبر القضاة علنًا عن تحفظاتهم، فإن ذلك يستحق الاستماع لا التشنج.

6. ماذا عن مهنة العدول؟ والموثقين؟

أعمو:  يخضع العدول للقانون رقم 16-03 المتعلق بخطة تنظيم القضاء والنصوص المؤطرة لوضعيتهم. بينما يخضع الموثقون للقانون رقم 32-09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق.

وهذه المهن مكلفة بمهمة التوثيق ذي القيمة القانونية العالية. وأي تعديل جوهري في اختصاصاتها يجب أن يحترم مبدأ الأمن القانوني، وحماية الثقة المشروعة للمرتفقين، ومبدأ عدم التراجع في مجال الضمانات المهنية.

وقد ندد هؤلاء بنصوص تُقلص هامش استقلالهم وتمس بمبدأ الاستقلال (الفصول 107–116 من الدستور). كما يخضع العدول والموثقون لإصلاحات تهدد دورهم كضامنين للأمن القانوني، مع اعتماد مقاربة إقصائية دون تشاور يتعارض مع الإرادة الملكية لسنة 2011 والتي شجعت على مقاربة الديمقراطية التشاركية.

وقد أثارت هذه الإصلاحات مخاوف بشأن فقدان الاستقلال المهني، والتخوف من توحيد مفرط للأنظمة، والشعور بالإقصاء من المسار التشريعي، والقلق بشأن إعادة تعريف اختصاصاتهم. والانطباع السائد هو إعادة تركيز السلطة في يد الجهاز التنفيذي. غير أن هذا الانزعاج يؤكد أن الإصلاح الناجح يُبنى بشكل مشترك ولا يُفرض.

7. لنعد الآن إلى الصحافة التي تحاول الحكومة تكميمها. لقد اختارت إحداث «لجنة مؤقتة» لتدبير شؤون الصحافة بدل تشجيع انتخابات ديمقراطية داخل المجلس الوطني للصحافة (CNP). ولماذا يرفض الجهاز التنفيذي أن يعيّن الصحافيون ممثليهم بطريقة ديمقراطية؟ هل هي إرادة غير مُعلنة من الدولة لاستعادة التحكم في التنظيم الذاتي للمهنة من أجل إضعاف الأصوات النقدية؟

أعمو:  ينص الفصل 25 من الدستور المغربي على ضمان حرية الفكر والرأي والتعبير بجميع أشكالها. وكل تقييد لهذه الحقوق يجب أن يحترم مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، وفقًا للفصل 29.

علاوة على ذلك، فإن المغرب، بموجب الفصل 55 من دستوره، ملتزم بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (PIDCP)، الذي تحمي مادته 19 كذلك حرية التعبير. ولا يمكن أن تكون القيود على هذا الحق إلا استثنائية، ومؤطرة بشكل صارم، ومبررة بهدف مشروع.

ومن جهته، تم إحداث المجلس الوطني للصحافة بموجب القانون رقم 90-13. ويرتكز هذا النص على مبدأ مركزي هو التنظيم الذاتي من قبل المهنيين أنفسهم. كما أن القراءات الدستورية المقارنة، تعتبر التنظيم الذاتي عنصرًا بنيويًا في استقلالية الإعلام. فتعويض الآلية الانتخابية للمجلس الوطني للصحافة بلجنة مُعيَّنة يطرح إشكالًا مبدئيًا ويجسد إرادة واضحة للتحكم في الأصوات النقدية.

إن حالة المجلس الوطني للصحافة معبرة بشكل خاص، لأن استبدال هيئة منبثقة عن انتخابات مهنية بلجنة معينة يخلق سابقة خطيرة، من منطلق أن القاعدة المتفق عليها هي أن التنظيم الذاتي هو حجر الزاوية في حرية الصحافة. وعندما تمنح الدولة لنفسها سلطة التنظيم والتمويل والتعيين، فإنها تصبح في الآن ذاته خصمًا وحكمًا. وهذا يُضعف بالضرورة وبشكل آلي مصداقية المنظومة بأكملها.

ويجب الانتباه هنا، إلى أن الصحافة المؤطرة بشكل مفرط لم تعد سلطة مضادة؛ بل تصبح فضاءً تحت المراقبة. فهل هذا فعلًا هو الطموح الديمقراطي المُعلن عنه؟

8.في رأيكم، لماذا يتم الإصرار على توزيع المساعدة العمومية للدولة على العناوين الإعلامية القوية ماليًا فقط؟ منطقيًا، عندما نتحدث عن مساعدة عمومية، ألا ينبغي أن تُمنح للناشرين الذين يعانون من صعوبات لا للأغنياء ولمن يحققون أرباحًا خيالية؟

أعمو:  من حيث المبدأ، ينبغي أن تستهدف المساعدة العمومية وتحمي في المقام الأول مبدأ التعددية، وكذلك الإبقاء على العناوين الهشة، وتعزيز التنوع التحريري.

فإذا كانت المجموعات الإعلامية والصحفية هي أساسًا الأكثر استفادة من قوة مقتضيات القانون، فإن ذلك يٌقوض التعددية ويتعارض مع المبدأ القاضي بأن الدولة يجب أن تدعم التنوع لا الفاعلين المهيمنين. وبهذا، يتوقف الدعم العمومي عن لعب دور آلية للتوازن، ليصبح أداة لترسيخ المواقع المهيمنة ووسيلة لتعزيز التركيز الإعلامي.

كما أن التنظيم الذاتي هو أساس حرية الصحافة، ولا يمكن للدولة أن تكون في آن واحد منظمًا وممولًا وحكمًا تحريريًا دون إثارة الشبهات بشأن الهيمنة والتحكم غير المباشر، مع خطر اختلاط الأدوار الذي يطرح إشكالًا قانونيًا.

وانطلاقًا من ذلك، لا ينبغي أن تكون المساعدة العمومية أداة مكافأة على «خدمات مقدمة» أو عقابًا على «خدمات غير مقدمة»! بل يجب أن تكون أداة توازن ديمقراطي.

وعكس هذا المنحى، يجد الجهاز التنفيذي نفسه في تناقض تام مع المهام الكبرى للصحافة، باعتبارها أداة محورية لمكافحة الهيمنة وسطوة المال على الأفكار وحق التعبير.

9.على مستوى أكثر عمومية، وفي سياق آخر، ماذا يمكن أن تقولوا عن حق الإضراب وعن هذا القانون التنظيمي الموصوف بـ«الشبح»؟ وكيف تتفاعلون كلما تم إعداد نص تشريعي دون موافقة المعنيين، خاصة وأن النقابات الأكثر تمثيلية تعتبره، في الحالة المعروضة، منعًا مقنعًا؟

أعمو:  ينص الفصل 29 من الدستور على ضمان حق الإضراب. وكل قانون تنظيمي يؤطر هذا الحق يجب أن يوضحه لا أن يفرغه من مضمونه، ويجب أن يحترم مبدأ التناسب.

تعتبر النقابات الأكثر تمثيلية أن القانون المقترح يشكل منعًا مقنعًا. وعندما تتحدث النقابات الأكثر تمثيلية عن منع مقنع، فإن من واجب الحكومة طمأنة ذلك عبر الحوار.

من الواضح أنه عندما تغيب المشاورة، يتحول حق أساسي إلى مسطرة مؤطرة بطريقة تقلل من فعاليته.

10.ترى العديد من الأصوات أن عدداً من المشاريع الحكومية تُفرغ الفصل 29 من الدستور من مضمونه. ما رأيكم؟

أعمو:  ينص الفصل 29 على أنه “تُضمن حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي، وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي. ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات. وحق الإضراب مضمون. ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته”

لكن العديد من المشاريع تُفرغ الفصل 29 ومبدأ المشاركة المواطِنة (الفصول 12 إلى 15) من مضمونهما. ويبدو أن منطق الأغلبية يَغلِب على الحوار والاستماع، على حساب الضمانات التشاركية المقررة منذ دستور 2011 الذي كرس الديمقراطية التشاركية. إن إقصاء جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان من مناقشة نصوص كبرى مثل القانون الجنائي أو قانون المسطرة المدنية يخلق تناقضًا مع هذه الروح.

أعتقد أن الأغلبية البرلمانية لا تعفي من التوافق الديمقراطي، ولا يمكن أن تصبح بديلاً عن النقاش المجتمعي. وإلا فإننا ننزلق نحو ديمقراطية إجرائية صِرفة، فقيرة في روحها.

11.تم «إعداد» نصوص كبرى أخرى، على غرار قانون المسطرة المدنية أو القانون الجنائي، بعيدًا عن المجتمع المدني، حيث يفضل الجهاز التنفيذي، بشكل متكرر، مقاربة إقصائية حقيقية تجاه جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان. وهذا يتعارض مع الإرادة الملكية التي كرّست في سنة 2011 «الديمقراطية التشاركية»… فهل يريد اليوم أن يستبدل بها هذه الوقائع التراجعية المفروضة بفعل الهيمنة العددية داخل البرلمان؟

أعمو:  لقد كرّس الدستور المغربي لسنة 2011 بوضوح الديمقراطية التشاركية (الفصول 12، 13، 14، 15) كركيزة من ركائز الاشتغال المؤسساتي ببلادنا.

واليوم، لا يتعلق الأمر بالطعن في الشرعية البرلمانية المنبثقة عن صناديق الاقتراع. فهي شرعية لا جدال فيها. لكن الأغلبية العددية لا يمكن أن تحل محل الحوار الديمقراطي الموسع. لأن الهيمنة العددية لا يمكن أن تتحول إلى أداة لتهميش السلط المضادة، والشرعية الانتخابية لا تمنح شيكًا على بياض لممارسة السلطة خلف أبواب موصدة.

فعندما يفضل الجهاز التنفيذي منطق الأغلبية الميكانيكية داخل البرلمان لتمرير نصوص أساسية دون تشاور جوهري، فإن ذلك يطرح إشكالًا سياسيًا، خاصة عندما يتم إعداد نصوص هيكلية مثل قانون المسطرة المدنية أو القانون الجنائي دون تشاور حقيقي مع الفاعلين في المجال الحقوقي ومع المهن المعنية والمجتمع المدني المنظم، فإن ذلك يخلق موضوعيًا فجوة مع روح دستور 2011.

لأن إعداد نصوص هيكلية (القانون الجنائي، قانون المسطرة المدنية) مع تهميش المجتمع المدني قد يشكل تجاهلًا للروح الدستورية، واختزالًا للمبدأ التشاركي في مجرد إجراء شكلي. إذ إن إقصاء أو تهميش المجتمع المدني في إعداد نصوص هيكلية يمسّ البعد التداولي للمسار التشريعي.

وإذا أصبحت المشاورات بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين والجمعويين شكلية أو رمزية، فنعم، نكون أمام تراجع. ومسؤوليتنا السياسية والجماعية هي أن نقول ذلك بهدوء ولكن بحزم. لأن المشاركة لم يعد من الممكن اعتبارها فعلًا زخرفيًا بحتًا.

فالديمقراطية لا تختزل في التصويت بالأغلبية؛ بل تفترض الاستماع والإدماج والبناء المشترك. وبالتالي، فالتحدي ليس مؤسساتيًا، بل هو منهجي: كيف نوفق بين الفعالية التشريعية والمشاركة المواطِنة؟

12.للحكومة الحالية سمعة سيئة في استعمال معلومات مميزة قبل إعلانها رسميًا لفائدة بعض أعضائها أو مقربين منها. هل نحن في المجال الجنائي؟

أعمو:  إن ممارسات مثل استعمال معلومات مميزة، أو المحاباة السياسية أو الاقتصادية، أو توزيع الصفقات على المقربين، تندرج ليس فقط ضمن الأخلاقيات بل كذلك ضمن القانون الجنائي (الفصول 245 وما يليها من القانون الجنائي).

وإذا ثبت استعمال معلومات مميزة لأغراض خاصة، فإننا ندخل بوضوح في المجال الجنائي. لكن تحقيقًا مستقلًا وحده يمكنه التكييف القانوني لهذه الحالات.

هذه الإخلالات – إذا ثبتت – خطيرة على المجتمع، لأنها تقوض الثقة العامة وتبرز الحاجة الملحة إلى هيئات مراقبة فعالة ومستقلة فعليًا، مثل مجلس المنافسة.

والواقع يؤكد بأن تكرار الشبهات يخلق تآكلا في الثقة، وأن الشفافية على العكس تعززها. لأن الإشكال الحقيقي اليوم ليس قانونيًا فقط. إنه أخلاقي. لأن القدوة والنموذجية تعتبران في الديمقراطيات الحديثة التزاما سياسيا.

13.تُسجل يومًا بعد يوم العديد من الاختلالات القانونية… التداول من الداخل، وتضارب المصالح، تقاسم الصفقات، المحاباة والتواطؤ، المنافسة غير المشروعة، إساءة استعمال السلطة… يتيه المرء أمام هذه الجرائم دون أن يتم التفكير في أي مخرج؟

أعمو:  يجرم القانون الجنائي المغربي: تضارب المصالح بشكل غير قانوني (الفصول 245 وما يليها)، واختلاس الأموال العامة والجرائم المرتبطة بالفساد. كما أن استعمال معلومات مميزة لأغراض خاصة قد يندرج ضمن القانون الجنائي للأعمال وقانون البورصة.

ومع ذلك، فإن التكييف القانوني للوقائع يتم حصريا عن طريق التحقيقً القضائيً المستقلً. وإن تكرار هذه الاختلالات (التداول من الداخل، تضارب المصالح بشكل غير قانوني، التركيز الاقتصادي، المحاباة، التواطؤ، المنافسة غير المشروعة…) يُظهر فراغًا فعليًا في الزجر والمراقبة. فالإشكال ليس، في نظري، أخلاقيًا بالمعنى المجرد. بل هو مؤسساتي.

وفي سياق يتقاطع فيه النفوذ الاقتصادي والنفوذ السياسي بشكل خطير، تفرض اليقظة نفسها.

ويجب التذكير هنا بأن الجرائم المتعلقة بتضارب المصالح بشكل غير قانوني موجودة في ترسانتنا القانونية. لكن، بغض النظر عن الجانب الجنائي، فإن مصداقية الأداء العمومي هي التي تكون على المحك.

وفي هذا السياق، لا يمكن لمجلس المنافسة أن يكون مؤسسة زخرفية وشكلية عندما تكون المصالح الاستراتيجية معنية. وبشكل عام، فإن الديمقراطية الحديثة لا يجب أن تتسامح مع الغموض.

ويجب أيضًا التذكير بأن المعيار الدولي يقوم على مبدأ الوقاية من تضارب المصالح قبل أن تتحول إلى جرائم. وهذا يفترض، بطبيعة الحال، رقابة برلمانية فعلية، وقضاءً مستقلًا، وهيئات مستقلة مثل مجلس المنافسة.

فالاستقلال المؤسساتي لا يُقاس بحجم الاختصاصات الشكلية، بل بالقدرة الحقيقية على التحرك في مواجهة الفاعلين الأقوياء. ودون آليات معززة للشفافية والمساءلة، تبقى دولة القانون مفهوما نظريا عاما وفضفاضا.

14.هل مجلس المنافسة قادر فعليًا على محاسبة الحكومة؟

أعمو:  يتوفر مجلس المنافسة على صلاحيات واختصاصات نظرية لمراقبة الممارسات المنافية للشفافية في العلاقات الاقتصادية، لكن قدرته الفعلية على التحرك ضد الفاعلين السياسيين والاقتصاديين الأقوياء تبقى محدودة. ويجب تعزيز الضمانات المؤسساتية حتى تكون تدخلاته فعالة.

السؤال المركزي يكمن في استقلاليته الفعلية وقدرته على العمل دون ضغوط.

فالهيئة المستقلة لا تُقاس بنصوصها المؤسسة، بل بقراراتها الجريئة والمؤثرة. لأن السؤال الحقيقي المطروح هو: هل يمكنه أن يتحرك بشكل كامل عندما يتعلق الأمر بفاعلين نافذين سياسيًا وأقوياء اقتصاديًا؟ وفي نهاية المطاف، نرى أن الاستقلالية لا تُعلن. بل تُثبت بقرارات جريئة.

15.أمام إطار هش ومليئ بالثغرات… ما هي أهم الضمانات التي توصون بها؟

أعمو:  لضمان دولة القانون وحماية السلط المضادة، يتعين أولًا ضمان الاستقلال الحقيقي للهيئات الدستورية، وتعزيز التشاور المسبق الإلزامي مع الهيئات الوسيطة، وصون وحماية استقلال المهن المنظمة، وإعادة الاعتبار الكامل للديمقراطية التشاركية.

كما يتعين ضمان حرية وتعددية الإعلام، مع التطبيق الصارم لمبدأ التناسب في تقييد الحقوق الأساسية، وتعزيز هيئات المراقبة وإرساء آليات شفافة لتدبير تضارب المصالح.

فالنقاش لا يتعلق بحكومة في مواجهة معارضة. بل يتعلق في العمق بطبيعة نموذجنا الديمقراطي. فالأغلبية القوية يجب أن تكون أكثر حذرًا، لا أكثر تسلطًا، من منطلق أن دولة القانون والديمقراطية لا تضعفان في يوم واحد أو عبر قطيعة فجائية. بل تتآكلان عبر تراكم تدريجي لتعديلات تمس التوازنات الدقيقة.

كما أن النقاش لا يتعلق فقط بملاءمة الإصلاحات سياسيًا. بل يتعلق بمدى مطابقتها للدستور، وتناسبها، واحترامها للضمانات الأساسية، وانسجامها مع مبدأ عدم التراجع في مجال الحريات.

إن متانة دولة القانون لا تُقاس بسرعة الإنتاج التشريعي أو بعدد القوانين، بل بجودة ضماناتها المؤسساتية.

لقد اختار المغرب خيارًا تاريخيًا في سنة 2011. واليوم، تبقى اليقظة المواطِنة والمسؤولية السياسية ضروريتين حتى يقترن الإصلاح بالتقدم الديمقراطي والمسؤولية المواطِنة، لا بتركيز السلط وتقييد الحريات.

 









الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموقع الرسمي للمستشار البرلماني عبداللطيف أعمو © www.ouammou.net © 2012