?>

دورة يوليوز 2026 لمجلس جهة سوس ماسة

S2
يعقد مجلس جهة سوس ماسة دورته العادية لشهر يوليوز، يوم الإثنين 06 يوليوز الجاري، بمقر عمالة إقليم اشتوكة آيت باها.
وتتضمن أشغال هذه الدورة دراسة 24 نقطة مدرجة في جدول الأعمال، تهم عددا من الملفات التنموية والاقتصادية والاجتماعية ذات الأولوية، بما يعكس مواصلة المجلس انخراطه في تتبع وتنزيل المشاريع والبرامج الرامية إلى تعزيز الدينامية التنموية بجهة سوس ماسة، والاستجابة لتطلعات ساكنتها بمختلف أقاليم وعمالات الجهة.
 
وبالمناسبة، قدمت مجموعة التقدم والاشتراكية مداخلة تحت عنوان : “النجاح السياسي للجهوية المتقدمة لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو قيمة الميزانيات، بل بقدرتها على تقليص الفوارق الترابية”، وتعميما للفائدة، نورد أسفله نص المداخلة كاملة.
للاطلاع على نص مداخلة مجموعة التقدم والاشتراكية بمجلس جهة سوس ماسة، انقر حول صورة الغلاف أسفله:
 غلاف 06 07 26 1

الرهان الاستراتيجي الأساسي لجهتنا يتمثل في الخيار بين توجيه الاستثمارات

حيث توجد الكثافة السكانية والعائد الاقتصادي،

أم حيث توجد الحاجة التنموية الملحة والخصاص الاجتماعي الصارخ؟

السيد الرئيس،

السيدات والسادة أعضاء المجلس الجهوي،

تنعقد دورة يوليوز 2026 لمجلس جهة سوس ماسة في سياق خاص، يطبع عمل مجلس الجهة، فهي ليست دورة اعتيادية، بالنظر إلى عدد الاتفاقيات المعروضة فقط، بل بالنظر إلى طبيعة القضايا المطروحة، وما تعكسه من رهانات تنموية متداخلة. فمن خلال تقارير اللجان الدائمة يتضح أننا أمام مرحلة عنوانها الأساسي الانتقال التدريجي من منطق برمجة المشاريع إلى منطق التسريع بالتنزيل وتتبع الأثر والنتائج.

فالوثائق المعروضة على أنظارنا تكشف عن حضور قوي للمشاريع المهيكلة ذات الامتداد الاستراتيجي، سواء ما يتعلق بتأهيل ميناء أكادير، أو تعزيز العرض الجامعي والصحي، أو برامج تأهيل المراكز الصاعدة، أو مشاريع الماء والتطهير والحماية الاجتماعية. كما تعكس في الوقت نفسه وعياً متزايداً بضرورة جعل التنمية أكثر توازناً من الناحية المجالية، من خلال إثارة قضايا مثل وضعية إقليم طاطا، وتقوية المراكز القروية، ومحاربة الفوارق الترابية.

لكن بالموازاة مع ذلك، تبرز مجموعة من الإشارات التي تستحق التوقف عندها؛ منها إشكالية العقار، وتأخر إنجاز بعض المشاريع، وتعديل كلفة مشاريع أخرى، وإعادة صياغة بعض الاتفاقيات أو مراجعة مكوناتها. وهي مؤشرات تؤكدبأن الرهان اليوم لم يعد فقط في المصادقة على المشاريع، بل في جودة الحكامة ونجاعة التنفيذ ووضوح الالتزامات والمسؤوليات.

كما يلاحظ أن هذه الدورة تطرح سؤالاً محورياً يتعلق بالأثر الحقيقي للسياسات العمومية الجهوية: هل نحن أمام مشاريع قادرة فعلاً على إحداث تحول في شروط وظروف عيش المواطنين؟ وهل ستنعكس على المؤشرات الاجتماعية: كالتشغيل، والولوج إلى الخدمات الأساسية، والعدالة المجالية، وتقليص الفوارق بين مختلف أقاليم الجهة؟

لذلك، فإن مناقشة هاته النقط يجب أن تنطلق من رؤية شمولية تعتبر أن نجاح الجهة لا يقاس بعدد الاتفاقيات المصادق عليها، بل بمدى قدرتها على تحويل هذه الاتفاقيات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وتؤثر فعلا على معيشه اليومي.

S1

السيد الرئيس،

السيدات والسادة أعضاء المجلس الجهوي،

تقتضي ضرورة المرحلة المتميزة باقتراب المرحلة الانتدابية الجهوية الحالية من نهايتها، ونحن على بعد سنة من ختامها، بالتزامن مع قرب حلول الاستحقاقات التشريعية والمواعيد الانتخابية لشهر شتنبر 2026، التوقف عند محطة أساسية تتمثل في إجراء تقييم سياسي موضوعي للفترة الانتدابية الجهوية (2021-2027).

فهذه اللحظة لا تمثل مجرد نهاية دورة تدبيرية، بل تشكل محطة سياسية ومؤسساتية تستدعي إجراء تقييم موضوعي لمسار العمل الجهوي، من خلال الوقوف على مستوى تنزيل البرامج والسياسات العمومية، ومدى تحقق الأهداف المعلنة، ورصد مكامن القوة ونقط الضعف والاختلال، بما يتيح قراءة نقدية للحصيلة التدبيرية واستشراف رهانات المرحلة المقبلة في إطار تعزيز مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، من منطلق ارتباط الجهوية المتقدمة أساساً بمنطق التقييم والتتبع والمساءلة المؤسساتية.

وانطلاقاً من المعطيات العمومية والتقارير الرسميةالمتداولة حول برامج الجهة ومشاريعها وسياقها السياسي والمؤسساتي، يمكن رسم صورة عامة من أهم تجلياتها:

لقد جاءت الولاية الانتدابية 2021–2027في ظرفية استثنائية تميزت بتداخل أربعة تحولات كبرى:

  • مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19 وما خلفته من آثار اقتصادية واجتماعية.
  • تفاقم الجفاف والإجهاد المائي.
  • دخول ورش النموذج التنموي الجديد حيز التنفيذ.
  • التقاطع السياسي بين الجهة والحكومة بقيادة الأحزاب ذات الأغلبية البرلمانية.

بحيث أن انتخابات 8 شتنبر 2021شكلت محطة سياسية جديدة وفريدة بجهة سوس ماسة، أفرزت حكومة من نفس الأحزاب. وقد راهن المجلس الجهوي خلال هذه الولاية على استثمار هذا التقاطع السياسي بين الجهة والحكومة لتسريع وتيرة التنمية وإنجاز المشاريع المهيكلة التي طال انتظارها.

وبعد مرور خمس سنوات تقريباً، يمكن القول إن حصيلة المجلس تحمل عناصر إيجابية مرتبطة بحجم الاستثمارات والتعاقدات، لكنها تطرح أيضاً أسئلة سياسية وتنموية حول العدالة المجالية وفعالية الحكامة وقدرة الجهة على التحول إلى فاعل ترابي مؤثر وليس مجرد شريك ممول لمشاريع الدولة.

S2

وتقتضي الإجابة على هذه الأسئلة الجوهرية تقييم الأداء الجهوي من عدة زوايا، أهمها:

أولاً: قوة مالية واستثمارية غير مسبوقة

من أبرز مؤشرات الولاية الحالية الارتفاع الملحوظ في حجم الاستثمارات المبرمجة والمصادق عليها.وقد استطاع المجلس تعبئة اعتمادات مهمة عبر:برنامج التنمية الجهوية وعقود الشراكة مع القطاعات الحكومية، إضافة إلى الاتفاقيات الموقعة مع الجماعات الترابية والمشاريع الممولة بشراكة مع مؤسسات عمومية ووكالات تنمية.

وفي هذا السياق، يحسب للمجلس على المستوى السياسي نجاحه في استثمار علاقته الإيجابية بالحكومة من أجل تسريع المصادقة على عدد من المشاريع، خصوصاً في مجالات:الطرق والبنيات التحتية والماء الصالح للشرب ودعم الاستثمار والتأهيل الحضري والتنمية الاقتصادية.

لكن، ما يعاب على هذه الجوانب الإيجابية في الإنجاز، أن هذا النجاح الكمي لا يعني بالضرورة تحقيق الأثر التنموي المنشود على كافة أقاليم الجهة. كما يتعين في هذا السياق الانتباه لحجم المديونية على المستوى الجهوي، وهو الجانب الذي ذكرنا به في العديد من مداخلاتنا السابقة .

ثانياً: هيمنة محور أكادير الكبير على المشاريع المهيكلة

من أبرز الانتقادات الموجهة للمجلس خلال هذه الولاية استمرار تمركز المشاريع الكبرى داخل محور:أكادير – إنزكان أيت ملول – الدشيرة الجهادية…، وهي المناطق التي تستقطب أصلاً الجزء الأكبر من الساكنة والاستثمارات.

فجهة سوس ماسة تضم واقعين متباينين:

  • محور حضري ساحلي متمركز أساساً حول أكادير الكبير وإنزكان أيت ملول والدشيرة وبيوكرى.
  • مناطق داخلية وقروية وجبلية وصحراوية تشمل أجزاء واسعة من تارودانت وطاطا وتيزنيت و اشتوكة – آيت باها.

وهذا التفاوت الديمغرافي والاقتصادي المزدوج ليس وليد هذه الولاية، بل هو نتاج تراكمات تاريخية منذ عقود، ولكن الأغلبية الحالية لم تسعى ولم تساهم للأسف في تقليصه أو الحد منه.

فأكثر من نصف سكان الجهة جهة سوس ماسة،التي تضم حوالي 3 ملايين نسمة، يتمركزون في المجال الحضري لأكادير الكبير ومحيطه.وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أنالجزء الأكبر من الناتج الداخلي الجهوي يتم إنتاجه داخل محور أكادير الكبير، حيث تتمركز معظم الاستثمارات الصناعية والخدماتية والسياحية في شريطه الساحلي،بينما تعتمد أقاليم مثل طاطا وأجزاء واسعة من تارودانت وتيزنيت على الفلاحة التقليدية أو الأنشطة ذات القيمة المضافة المحدودة.

إن الرهانات التنموية للعالم القروي والمناطق الجبلية بجهة سوس ماسة خلال الفترة الفاصلة بين 2021 و2027 وما بعدها، تمثلأحد أكبر الرهانات الجهوية. فبعيداً عن صورة أكادير كواجهة مشعة وكعاصمة اقتصادية وسياحية، فإن جزءاً كبيراً من المجال الترابي للجهة ما يزال قروياً أو جبلياً، ويواجه تحديات بنيوية عميقة. (وهو ما ذكرنا به خلال مداخلتنا إثر زلزال الحوز).

فجهتنا تضم أكثر من170 جماعة ترابية، أغلبها جماعات قروية.وتقدر نسبة السكان القرويين بحوالي 40 إلى 45 % من سكان الجهة، مع نسب أعلى بكثير في طاطا وتارودانت واشتوكةأيت باها وتيزنيت.كما تضم الجهة آلاف الدواوير المنتشرة في مناطق جبلية وعرة، خاصة فيالأطلس الصغير وسفوح الأطلس الكبير الغربيوفي المناطق الواحية بطاطا.

وفي قراءة سياسية لهذه الخيارات، يمكن القول إن مجلس جهة سوس ماسة خلال 2021-2027 وجد نفسه أمام مفارقة أساسية، تتمثل في خيارين أحلاهما مُــرٌ.

فـالخيار الأول المتمثل في الاستثمار في أكادير باعتبارها القاطرة الاقتصادية للجهة. وهو خيار يحقق مردودية اقتصادية أسرع وجذباً أكبر للاستثمارات وقدرة أعلى على خلق القيمة المضافة.  وهو الخيار الأسهل الذي لا يحمل في طياته طموحا وشجاعة سياسية قوية.

فيما الخيار الثاني يتمثل في إعادة توزيع الاستثمارات لفائدة الأقاليم الأقل حظاً. وهو خيار يتطلب شجاعة سياسية أكيدة ويحقق: عدالة مجالية أكبر واستقراراً اجتماعياً أفضل وتقليصا للشعور  العام بالتهميش. ويبدو أن السياسات المعتمدة مالت أكثر نحو الخيار الأول مع محاولات لتخفيف آثاره عبر برامج محتشمة لدعم العالم القروي.

إن تتبع برامج التنمية الجهوية واتفاقيات الشراكة خلال 2021-2027، يظهر تفاوتا في توزيع المشاريع الجهوية، حيث تركزت المشاريع الكبرى ذات الكلفة المرتفعة أساساً في أكادير الكبير، مثل: البنيات التحتية الحضرية والنقل والتنقل الحضري والتأهيل السياحي والمناطق الاقتصادية والمشاريع الرياضية والثقافية الكبرى، فيما استفادت الأقاليم الأخرى أساساً من: الطرق والمسالك القروية والماء الصالح للشرب ومندعم الجماعات والمشاريع الاجتماعية والتنموية متوسطة الحجم. وهنا يظهر الفرق بين:مشاريع بمئات الملايين من الدراهم ومشاريع محلية بعشرات الملايين فقط.

وهذا الوضع، يخلق معادلة سياسية صعبة، يمكن اختزالها في السؤال المحوري التالي: هل يجب توجيه الاستثمارات حيث توجد الكثافة السكانية والعائد الاقتصادي، أم حيث توجد الحاجة التنموية والخصاص الاجتماعي؟

وخطورة هذا التوجه، أنه رغم إمكانية تبريره بمنطق الفعالية الاقتصادية، فإنه يعمق الإحساس القائم أصلا لدى عدد من الفاعلين المحليين في أقاليم:تيزنيت – تارودانت – طاطا – اشتوكة آيت باها، بوجود تفاوت مجالي صارخ في الاستفادة من الدينامية الجهوية.وبالتالي، تبقى إشكالية العدالة المجالية من أكبر التحديات التي واجهت من قبل، وما زالت تواجه المجلس الجهوي.

ثالثاً: التنمية الاقتصادية بين الطموح والواقع

لقد راهنت الجهة على تعزيز جاذبيتها الاستثمارية من خلال:المناطق الصناعية ودعم المقاولات وتشجيع الاستثمار وتعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. لكن المؤشرات المتاحة لا تظهر تحولاً اقتصادياً نوعياً يوازي حجم الإمكانيات المرصودة. ففي غياب تحول اقتصادي نوعي، يبدو أن تحقيق الجهة لتقدمنسبي في جذب الاستثمارات وتحسين البنية التحتية، لم يظهر بعد قطاعا اقتصاديا جديدا قادرا على إحداث قفزة نوعية في التشغيل.

فلا تزال الجهة تعتمد أساساً على رافعات تقليدية كالفلاحة والسياحة والصيد البحري والخدمات. وهي قطاعات مهمة، لكنها معرضة للتقلبات المناخية ولمزاجية الأسواق الدولية.

والتحديات الكبرى لا تزال قائمة: وتتمثل في بطالة الشباب واستمرار هشاشة العالم القروي، بجانبضعف تثمين المنتجات المحلية ومحدودية الاستثمارات الصناعية الكبرى خارج أكادير.

وعلى المستوى السياسي، يبدو جليا أن المجلس ركز على البنية التحتية أكثر من تركيزه على خلق منظومات اقتصادية متكاملة.

رابعاً: الفوارق في الخدمات الأساسية

وفق المؤشرات الوطنية المتداولة خلال هذه الفترة، ما تزال الفوارق واضحة في قطاع الصحة، بحيث تتمركز المستشفيات والتجهيزات الطبية المتخصصة في أكادير. وعلى مستوى التعليم العالي، يكاد القطب الجامعي الرئيسي ينحصر في أكادير.

فيما تستقطب عمالة أكادير إداوتنان وإنزكان أيت ملول الجزء الأكبر من الاستثمارات الخاصة، بنسبة تفوق 60 % من الإجمالي الجهوي. وتبقى معدلات الإدماج الاقتصادي للشباب أفضل نسبياً بالمجال الحضري مقارنة بالأقاليم الداخلية.

 خامسا: رهانات اجتماعية خارج التخطيط الجهوي

1.الرهان الأول: فك العزلة

رغم التحسن الملحوظ خلال العقد الأخير، ما تزال عدة دواوير تعاني من:ضعف المسالك وهشاشة بعض الطرق القروية وصعوبة التنقل في فترات الأمطار.

وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في المناطق الجبلية بتارودانت وفي جماعات الأطلس الصغير بتيزنيت ومناطق اشتوكة – أيت باها وبعض جماعات طاطا.لذلك، ما تزال الطرق والمسالك القروية وفك العزلة من أكثر المشاريع طلباً لدى المنتخبين المحليين.

2.الرهان الثاني: الصحة

رغم المجهودات المبذولة، ما تزال الفوارق واضحة. حيث الواقع الميداني يؤكد في عدد من الجماعات القروية: غياب أطباء متخصصين ونقص في الأطر الصحية وبعد المؤسسات الاستشفائية. فيما يظل المستشفى الجهوي بأكادير هو القطب الرئيسي للخدمات المتخصصة، ما يفرض على سكان بعض المناطق قطع مئات الكيلومترات للعلاج.

3.الرهان الثالث: التعليم والهدر المدرسي

تشكل المناطق الجبلية إحدى بؤر الهدر المدرسي. ومن أسبابه الرئيسية: البعد الجغرافي وصعوبة النقل المدرسي وهشاشة الأسر. وتبقى الفتيات أكثر عرضة للانقطاع عن الدراسة في بعض المناطق النائية رغم التحسن النسبي خلال السنوات الأخيرة.

4.الرهان الرابع: التشغيل وتنمية الموارد البشرية

يعتبر التشغيل أكبر تحد اجتماعي على المستوى الجهوي. فالاقتصاد القروي يعتمد أساساً على الفلاحة وتربية الماشية وبعض الأنشطة الحرفية. لكن الجفاف المتكرر أضعف الفلاحة، بحيث تقلصت فرص الشغل الموسمية وازدادت حدة الهجرة نحو المدن. وأصبحت البطالة، خاصة لدى الشباب الحاصلين على الشهادات، من أبرز التحديات الاجتماعية. ورغم برامج دعم المقاولات وريادة الأعمال، فإن الأثر على التشغيل ظل دون مستوى التطلعات.

والأكيد أن جهتنا تؤذي ثمن الرهان على أهمية البنيات التحتية مقابل ضعف الاستثمار في الرأسمال البشري

5.الرهان الخامس: الهجرة القروية

تشهد عدة جماعات تراجعاً سكانياً وشيخوخة ديمغرافية معنزوح الشباب نحو هوامش المدن. وفي بعض المناطق الجبلية أصبحت مدارس ومرافق عمومية مهددة بفقدان جزء من مرتاديها نتيجة انخفاض عدد السكان.

6.الرهان السادس: في الحاجة إلى اقتصاد قروي جهوي جديد

إن التحولات الكبرى للمنظومة الاقتصادية والتكنولوجية تقتضي من النخب الجهوية تطوير مقارباتها التنموية بشكل يسمح بالانتقال السلس والمرن والشجاع منفلاحة معيشية وهشة إلى تثمين المنتجات المحلية وتطوير الصناعات الغذائية المنتجة للقيمة المضافة مع تثمين السياحة القروية والإيكولوجية.

وهذا الرهان التنموي الجهوي مرتبط بشكل عضوي مع رهان الرقمنة المتمثل في تعميم الإنترنت عالي الصبيب والخدمات الإدارية الرقمية والتعليم عن بعد خاصة في المناطق القروية والجبلية النائية، مع الحرص الممنهج على تثبيت السكان ، من منظور أن الهدف لم يعد فقط تنمية القرى، بل جعل البقاء في القرية خياراً ممكناً اقتصادياً واجتماعياً.

فإذا كان التحدي الأكبر لأكادير هو التنافسية الاقتصادية وجذب الاستثمار، فإن التحدي الأكبر للعالم القروي والمناطق الجبلية بجهة سوس ماسة هو القدرة على البقاء والاستمرار والمرونة والصمود.

فطالما أن الهجرة القروية لا تزال مستمرة. فهذا يعني أن التنمية القروية لم تنتقل بعد من مرحلة تحسين الظروف المعيشية إلى مرحلة خلق ديناميات اقتصادية قادرة على تثبيت السكان.

فالمعادلة التي ستواجه صناع القرار بعد 2027 ليست فقط بناء طرق جديدة أو إنجاز مشاريع إضافية، بل الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن الحفاظ على حيوية آلاف الدواوير الجبلية والقروية في ظل ندرة الماء، وتغير المناخ، وهجرة الشباب، وتمركز الثروة والخدمات في المدن الكبرى؟ وسيكون نجاح الجهة في معالجة هذا السؤال أحد أهم معايير تقييم الجهوية المتقدمة خلال العقد المقبل.

إن الرهان الحقيقي لجهة سوس ماسة لن يكون فقط في رفع حجم الاستثمارات، بل في كيفية توزيع ثمار التنمية بين أكادير كقطب اقتصادي قوي، وبين أقاليم مثل تيزنيت وطاطا وتارودانت واشتوكةآيت باها.

فسؤال محدودية إشعاع الأقاليم خارج محور أكادير تطرح بحدة، حيث تتساءل عدة أقاليم بمرارة عن موقعها داخل المشروع الجهوي: فتيزنيت تبحث عن دور اقتصادي وسياحي أكبر. وطاطا تطالب بمزيد من الإنصاف المجالي. وتارودانت تسعى إلى استثمار مؤهلاتها الفلاحية والسياحية بشكل أفضل في ظل اقتصاد النذرة. وهذا يعكس استمرار مركزية أكادير داخل الجهة.

وبالتالي، فالنجاح السياسي للجهوية المتقدمة لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو قيمة الميزانيات، بل بقدرتها على تقليص الفوارق الترابية وتحويل الانتماء الجهوي إلى شعور مشترك بالاستفادة والإنصاف بين مختلف مناطق الجهة.

 خامسا: ملف الماء… الاختبار الحقيقي للمجلس الجهوي

يصعب الحديث عن ولاية 2021-2027 دون التوقف عند أزمة الماء. فجهة سوس ماسة تعد من أكثر الجهات المغربية تعرضاً للإجهاد المائي، وقد واجه المجلس تحدياً استراتيجياً تمثل في ندرة التساقطات واستنزاف الفرشات المائية وتهديد النشاط الفلاحي. وقد انخرط المجلس في تمويل مشاريع مرتبطة بـتحلية مياه البحر وتدبير الموارد المائية والاقتصاد في الماء والربط بالمشاريع الكبرى.

لكن، في العديد من المناطق القروية أصبحت آبار كثيرة غير صالحة للاستغلال، فيما ارتفعت كلفة التزود بالماء وازدادت هشاشة النشاط الفلاحي. فأصبح السؤال السياسيً والتنموي المطروح هو: هل ستستطيع الجهة مستقبلا المحافظة على ساكنتها القروية إذا استمرت أزمة الماء بنفس الوتيرة؟

إن إشكالية الأمن المائي تعتبر منالملفات الاستراتيجية الكبرى، حيث هيمن هاجس الماء على كل الرهانات الأخرى. فقطاع الماء لن يكون مجرد قطاع من القطاعات، بل سيكون المحدد الأساسي لمستقبل الجهة. فإذا كانت جهة سوس ماسة تناقش قبل عشر سنوات قضايا الاستثمار والسياحة والتشغيل كأولويات مطلقة، فإن الفترة 2021-2027 كرست الماء باعتباره القضية المركزية. فأزمة الموارد المائية لم تعد قضية فلاحية فقط، بل أصبحت تؤثر علىالاستثمار والتشغيل والاستقرار الاجتماعي والأمن الغذائي والتوسع العمراني. وبهذا المعنى يمكن اعتبار أن الولاية الحالية هي “ولاية التدبير المائي” أكثر من أي شيء آخر.

ونحن في نهاية نموذج تنموي جهوي قائم على الوفرة المائية، ومرتكز خلال العقود الماضية على الفلاحة المسقية واستغلال الفرشات المائية والتوسع الزراعي، فإن التغيرات المناخية تفرض اليوم وغدا البحث عن نموذج جديد أكثر استدامة.

وفي قراءة سياسية، يبدو من الواضح، أن دور المجلس الجهوي ظل في هذا الملف أقرب إلى الشريك الممول منه إلى صاحب رؤية جهوية مستقلة قادرة على قيادة النقاش العمومي حول السياسة المائية ومستقبل النموذج الفلاحي بالجهة.

 سادساً: الحكامة والتواصل… الحلقة الأضعف

رغم كثافة الاتفاقيات والمشاريع، كما هو الحال بشأن هذه الدورة (أزيد من 20 اتفاقية مدرجة ضمن جدول الأعمال) لم ينجح المجلس بالقدر الكافي في بناء تواصل سياسي فعال مع الرأي العام.فالكثير من المواطنين يجهلون:اختصاصات الجهة وحجم تدخلاتها والمشاريع التي تمولها.كما أن النقاش العمومي حول السياسات الجهوية ظل محدوداً مقارنة بحجم الرهانات المطروحة.

كما أن إشكالية الحكامة تثير ضعف بروز الجهة كفاعل سياسي مستقل. فرغم الصلاحيات التي يمنحها القانون التنظيمي للجهات، بقي مجلس الجهة في كثير من الملفات شريكاً ممولاً للدولة أكثر منه فاعلاً استراتيجياً مستقلاً. ويتجلى ذلك بالخصوص في الملفات الاجتماعية : كالصحة والتعليم والماء والبنيات الكبرى. وهو نقاش مطروح وطنياً حول حدود الجهوية المتقدمة.

ومن الناحية السياسية، نلاحظ أن المجلس الجهوي بقي أقرب إلى منطق التدبير التقني منه إلى منطق القيادة السياسية للمجال الترابي.

ومن الخلاصات السياسية لأداء مجلس جهة سوس ماسة خلال الفترة 2021-2027 أن هذه الولاية اتسمت بوفرة التمويلات وكثرة الاتفاقيات والمشاريع، لكنها لم تنجح بالكامل في تحويل هذه الدينامية إلى شعور جماعي بالإنصاف المجالي والاندماج التنموي بين مختلف أقاليم الجهة.

فلقد نجح المجلس – إلى حد ما – في تثبيت صورة مؤسسة قادرة على تعبئة الموارد وإنجاز المشاريع، لكنه لم يحسم بعد إشكالية الفوارق الترابية، ولا سؤال النموذج التنموي القادر على التوفيق بين متطلبات القطب الحضري لأكادير وحاجيات الأقاليم الأخرى، وعلى رأسها تيزنيت واشتوكة آيت باها وتارودانت وطاطا. وهذا هو التحدي السياسي الحقيقي الذي ستواجهه الجهة مستقبلا.

S3

السيد الرئيس،

السيدات والسادة أعضاء المجلس،

في محاولة التوقف عند هذه المحطة الانتدابية،لإجراء تقييم سياسي موضوعي للفترة الانتدابية الجهوية (2021-2027)،يمكن اختزال رهانات جهة سوس ماسة في ثلاثة أسئلة كبرى:

1.  هل استطاعت الجهة خلال هاته الفترة الانتدابية التوفيق بين النمو الاقتصادي والعدالة المجالية؟ أي التوفيق بين قوة أكادير الاقتصادية وحاجيات الأقاليم الأخرى.

2.  هل استطاعت جهتنا مواجهة أزمة الماء دون المساس بديناميتها الاقتصادية؟وهو التحدي الأكثر إلحاحاً.

3.  هل انتقلت الجهوية المتقدمة من منطق تمويل المشاريع إلى منطق صناعة السياسات الترابية؟وهو الرهان المؤسساتي والسياسي الحقيقي للمرحلة المقبلة.

ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار أن ولاية 2021-2027التي تشرف على نهايتها، هي بمثابة مرحلة تدبير الأزمات والتحضير للتحولات الكبرى أكثر مما كانت مرحلة حسم نهائي للرهانات الهيكلية التي تواجه جهة سوس ماسة.









الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموقع الرسمي للمستشار البرلماني عبداللطيف أعمو © www.ouammou.net © 2012