من أجل إلغاء عقوبة الاعدام

peinmort

شارك عبد اللطيف أعمو في الندوة المنظمة من طرف الائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الاعدام حول “الدستور والحق في الحياة” يوم 10 فبراير 2012.

نورد أسفله أهم محاور الندوة وخلاصة لمداخلة ذ. أعمو للتحسيس بدور المؤسسة التشريعية في حماية الحق في الحياة  وإلغاء عقوبة الإعدام.

 

 

نظم الائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الإعدام ندوة حول موضوع “الدستور و  الحق في الحياة”  وذلك يوم الجمعة 10 فبراير 2012.

بجانب مشاركة البرلماني عضو مجلس المستشارين عبد اللطيف أعمو في الجلسة الثانية من الندوة نورد مداخلة للتحسيس بدور المؤسسة التشريعية في إلغاء عقوبة الاعدام تحت عنوان دور المشرع في حماية الحق في الحياة وإلغاء عقوبة الإعدام ، تميزت الندوة بمشاركة  السيد محمد الصبار، الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان والسيدة آمنة بوعياش رئيسة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والاستاد ايريك بيرنار، عضو المجلس الإداري للجمعية الفرنسية “جميعا من اجل إلغاء عقوبة الإعدام”، والأستاذ عبد السلام العيماني، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط، والدكتور عبد الله المتوكل، الأستاذ بكلية الآداب عين الشق بالدار البيضاء.

خلال هذا اللقاء، تم إبراز آليات دور القانون الدولي لحقوق الإنسان في حماية الحق في الحياة وتقديم عناصر للتفكير من اجل تفعيل الفصل العشرين من الدستور  و كذا عرض الأسس الفلسفية للحق في الحياة. كما تم تسليط الضوء على الممارسة القضائية وعقوبة الإعدام  والدينامية العالمية لإلغاء هده العقوبة  من جهة، ومن جهة ثانية إبراز أفاق إصلاح النظام الجنائي المغربي من اجل حماية الحق في الحياة وإلغاء عقوبة الإعدام و كذا دور كل من القضاء والبرلمان في هذا الاتجاه.

وتندرج هذه الندوة في إطار الأنشطة التي ينظمها الائتلاف المغربي من اجل إلغاء عقوبة الإعدام و يهدف إلى تطوير النقاش العمومي حول ضرورة  حماية الحق في الحياة وإلغاء عقوبة الإعدام وكذا ملاءمة القانون الداخلي مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان، وفقا للبروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية والذي كانت هيئة الإنصاف والمصالحة قد أوصت السلطات المغربية بالمصادقة عليه وطبقا للمقتضيات الدستورية الجديدة.

 

تغطية الخبر على قناة ميدي 1 سات (السبت 11 فبراير 2012)

وفيما يلي أهم محاور مداخلة ذ. عبد اللطيف أعمو الرامية إلى التحسيس بدور المؤسسة التشريعية
في حماية الحق في الحياة:

الجلسة الثانية

عقوبة الإعدام:

دور المشرع في حماية الحق في الحياة وإلغاء عقوبة الاعدام

 

يمكن الجزم اليوم بأن الاهتمام بعقوبة الإعدام قد اخترق المجال العام وأصبح يفرض نفسه على الساحة السياسية المغربية، خصوصا بعد إقرار الدستور الجديد في يوليوز 2011 الذي أدمج عددا كبيرا من الحقوق السياسية والمدنية، والتزم بضمانها وحمايتها وممارستها بكافة الآليات القانونية الدولية.

ومن بين هذه الحقوق ما نصت عليه المادة 20 من الدستور “الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان. ويحمي القانون هذا الحق”

فأصبحت عقوبة الإعدام مطروحة بوصفها قضية مجتمعية حقوقية ترتبط على الخصوص بالخيارات السياسية الجنائية المستقبلية. مما يستدعي تجنيد كافة المؤسسات السياسية وبالخصوص المؤسسة البرلمانية لتتبنى مطلب الإلغاء وتدافع عنه.

ذلك أن عقوبة الإعدام والحكم بها تعتبر من الممارسات المظلمة .. شأنها في ذلك شأن التعذيب والرق والعبودية .. التي تنتمي إلى نظام للتطبيقات الهمجية لعدالة الموت.. التي يجب أن تنسحب لتترك محلها للعدالة الإنسانية المبنية على الحق في الحياة،. وكل ما يترتب عنه من مسؤولية الدولة والمجتمع في حماية هذا الحق.

لأن حياة الإنسان لا سلطان عليها..لأن الإنسان هو روح الله .. (سواه ونفخ فيه من روحه) سورة السجدة – الآية 9  .. ويعتبر الاعتداء على الروح هو اعتداء على المقدس ف .. (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) سورة المائدة – الآية 32.

ولا يمكن تبرير قتل النفس بأحكام القصاص.. لأن القصاص يعني البحث عن العقوبة العادلة.. وهو لا يعني البحث عن العدالة التي تعني الرحمة والعفو بالكفارة وغيره من الوسائل التي لا توصل إلى الاعتداء على حياة الإنسان بالحكم عليه بالإعدام..

(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ..) سورة المائدة – الآية 45

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة البقرة – الاية 178.

هل هناك عدالة أكثر من تجنب قتل الإنسان عن طريق وسائل المعروف والرحمة والكفارة .. وغير ذلك كما أمر بذلك ديننا الحنيف؟

وانطلاقا من ضرورة البحث عن نظام قانوني للعدالة الجنائية يتجنب الحكم بالموت وتنفيذه. هذا النظام البديل لا يمكن أن يكون إلا من تراث المبادئ العامة وغاياتها ..التي تقتضي أنسنة التشريعات وإبعادها عن المعايير الجامدة والجوفاء التي تذكر بروح الانتقام والزجر والعنف .. وما يتطلب ذلك من صياغة تتلاءم ومنطق التسامح والإصلاح الذي يفرض على المجتمع معاملة أعضاءه بالحسنى والمساواة، وتصويب سلوك الإنسان وإصلاحه بإعادة تأهيله من خلال الرهان على حسن طويته المستمدة من عناصر ذاته الخيرة والأصيلة.

كما أنه لا بد من التأكيد بأن معالجة القضايا الجرمية لا يمكن أن يجري بمنأى عن معالجة أسبابها وظروف ارتكابها لتمكين التشريعات من أخذ منحاها الإصلاحي خدمة للمجتمع وللإنسان.. ولتكون القوانين في محصلتها النهائية هادفة لحماية حقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في الحياة، باعتبارها هبة من الله تعالى، لا يجوز لأي فرد أو سلطة كيفما كانت التحكم فيه أو تقرير مصير الإنسان بالتحكم في حياته تحت عنوان القصاص من المجرم وإنزال عقوبة الإعدام عليه.

وفي هذا المحيط، لا بد أن تسير المؤسسة التشريعية – في مجال إلغاء عقوبة الإعدام – في اتجاه استنباط وإقرار نصوص تشريعية تحتم إلغاءها والعمل في هذا الاتجاه وملائمة القوانين الوطنية مع مقتضيات المواثيق الدولية وإعادة النظر في السياسة الجنائية والقوانين الجزائية من كافة جوانبها ووضع قانون جديد للعقوبات وإلغاء كافة المحاكم الاستثنائية وتحسين الأوضاع بالسجون ووضع قوانين لتنفيذ العقوبات بشكل إنساني تؤدي به وظيفتها الإصلاحية والاندماجية وإعادة النظر في قانون المساطر الجنائية واتخاذ الخطوات الحريصة على استقلال السلطة القضائية والتكوين الموضوعي والراقي للقضاة واعتماد أنظمة جزائية منسجمة مع التوجهات العصرية للقضاء وتأخذ بمبدأ أنسنة العقوبة.

لإقرار نظام العدالة الجنائية في هذا الاتجاه، يتعين تكثيف مجهود التحسيس بعمل البرلمانيين المساندين لفكرة إلغاء عقوبة الإعدام ودحض ذريعة الخصوصية التي كثيرا ما يثار بشأنها الاعتراض على عقوبة الإعدام، وتتسبب في تعطيل مفعول وأثر التشريعات الدولية وتؤدي إلى تعطيل صياغة أحكامها في التشريعات الوطنية. كما يجب الوقوف أمام كل من يتذرع تارة بالمقدس الديني وتارة أخرى بالعادات والتقاليد.

ويتعين على البرلمانيين بصفتهم فاعلين سياسيين واجتماعيين العمل على محاربة ذريعة العادات والتقاليد التي تشجع على الثأر في المجتمعات المحافظة…وكل ذرائع تبرير تنفيذ عقوبة الإعدام.

وبهذا الصدد، لا بد من التأكيد على أن عجز السياسيين على معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بإيجاد حلول ناجعة للمعضلات القائمة هو السبب الرئيسي في تفشي ظاهرة الإجرام.. وعلى الدولة تدارك أسباب الجريمة ووضع برامج تنموية اجتماعية قريبة من هموم الناس من أجل اجتثاث بؤر العنف والفقر والتوثر والإجرام بدل معالجة النتائج والعواقب بالحديد والنار.

إن تطور الحوار واتساعه في الساحة المجتمعية السياسية منها والحقوقية حول عقوبة الإعدام يجعل مصير نمو السياسة الجنائية الجديدة يتخذ أبعادا كثيرا ما تحكمها الظرفية والمعالجة الآنية بدل المعيار الموضوعي العصري والمتطور والمنسجم مع التزامات الدولة والمجتمع باحترام حقوق الإنسان، في ظل وضع يتميز بضعف الإعداد والتأطير والتأهيل على المستوى البرلماني وضعف التحسيس ولا مبالاة الأحزاب السياسية بهذا الموضوع.

ومع ذلك، فإن ما جاء به الدستور الجديد يمكن أن يعتبر حسما في تضارب المواقف القائمة .. من دعاة بالإلغاء الجزئي لعقوبة الإعدام إلى الدعاة بالإلغاء التدريجي .. مرورا بمن يطالبون بإيجاد الحلول البديلة واتخاذ بعض الإجراءات لتأجيل التنفيذ أو عدم تنفيذ عقوبة الإعدام ..

إلا أن كل هذه المواقف المتدبدبة لن تصب إلا في هدف واحد ووحيد ..ألا وهو اندماج المغرب في فضاءه الجديد المتناغم مع غالبية الدول الأعضاء بالأمم المتحدة، والذي يعطي مصداقية لالتزامات الدولة في مجال حقوق الإنسان بالإعلان عن إلغاء عقوبة الإعدام بنص تشريعي ووقف هذا المسلسل من التردد والتدبدب والتماس المبررات والأعذار الواهية.

وفي هذا الإطار، يتعين تسجيل التذكير في مجال المؤسسة البرلمانية الحديثة وقواعد اشتغالها في مجال التشريع بأن الحكم بالإعدام هو أمر مسطر بالقانون وغير مؤسس على قواعد حقوق الإنسان والقانون الإنساني. ويتعين على واضعي القانون أن ينتبهوا إلى ذلك.. خصوصا وأن قوة الدستور الجديد تعتبر فوق القانون العادي، ولا بد أن ينسجم القانون مع الدستور الذي يعتبر أسمى القوانين.

كما يتعين التذكير كذلك بأن مسؤولية الدولة ليست هي مسؤولية المجتمع الذي تتصارع وتتجاذب بداخله توجهات واختلافات متعددة ومتناقضة. ومن تم، فإن هاجس الإصغاء إلى المجتمع والالتفات إلى ما يقال حول استطلاعات الرأي يستدعي تفعيل مسؤولية الدولة والمؤسسات القائمة عليها .. خصوصا وأن الضغط الدولي أصبح أمرا مشروعا لما يكون مرتبطا بالتزامات صريحة معززة بالدستور ومصلحة البلاد .. وهو ما لا يستبعد مسؤولية المحكمة الدستورية في مجال ملائمة القوانين مع الدستور.

وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن التصويت البرلماني في مجال التشريع يتخذ أبعادا متعددة .. فقد يكون تصويتا يستدعيه الضمير والالتزام بالمبدإ واحترام الشرعية .. وقد يكون تصويتا سياسيا ظرفيا، غالبا ما يرتبط بقضايا سياسية أو مالية.

ومسألة إلغاء عقوبة الإعدام تعتبر مسألة ضمير و التزام مجتمع.. ولا بد للبرلماني أن يعتمد هذا المعيار، لأنه بتصويته تبعا لنداء الضمير .. فهو يعلن عن شرف البلاد .. وهو انتصار للإنسان وللإنسانية بعد عقود من تشريع القتل المبرر بحكم قضائي.

فهو كذلك إعلان عن تقديم الضمير الإنساني على هواجس الخلافات والتصدعات القابلة للعلاج والتسويات كيفما كانت خطورتها.

فهو أرقى انتصار يمكن أن يحققه الإنسان على ذاته … لأنه انتصار للحياة وللإنسانية.. وهو أخيرا تشريف للبرلمانيين المدعمين لإلغاء عقوبة الإعدام .. وكذلك للرأي العام.. لأن في ذلك تعبير ليس فقط عن التغيير العميق في القانون بناء على معيار الضمير ولكنه تعبير عن تغيير في الروح والقلب كذلك.

نص المداخلة بصيغة PDF

انقر هــنــا









الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموقع الرسمي للمستشار البرلماني عبداللطيف أعمو © www.ouammou.net © 2012