أعمو في حوار مع يومية “الصباح”

oua sabah

أنجز الصحفي بيومية “الصباح” برحو بوزياني – مشكورا – بطلب منه، حوارا مطولا مع عبد اللطيف اعمو ، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية منذ يوم 29 فبراير 2016.

وقامت يومية الصباح بنشر ملخص للحوار في الصفحة 3 من عددها 4939 الصادر في 4 مارس 2016 واعدة قراءها بنشر الحوار كاملا في مستقبل الأيام. وبتاريخ 9 مارس 2016 نشر جزء كبير من الحوار في الصفحة 6 من العدد 4943، حيث تناول المقال الأجوبة على 7 أسئلة بدل 9 الأصلية مع بعض ضربات المقص هنا وهناك.

وتوسيعا للفائدة ننشر الحوار كاملا بأسئلته وأجوبته التسعة، مع استدراك ما تم حذفه من الحوار نظرا لإكراهات عرض المادة التحريرية المكتوبة، والتي نتفهمها.

الصباح:  دعوتم في آخر اجتماع للمكتب السياسي إلى بلورة آليات لعقلنة المشهد السياسي، والحفاظ على التعددية. هل نفهم من هذا أنكم تتخوفون من هيمنة بعض الأحزاب، في حال عدم إدخال إصلاحات على بعض القوانين الانتخابية؟

عبد اللطيف أعمو: إن ما نقصده بعقلنة المشهد السياسي والحفاظ على التعددية هو التمسك بمقتضيات الدستور المغربي، الذي أكد في تصديره على “إقامة مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة” وألح في فصله السابع على “المشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية”، إضافة إلى ما جاء في المادة الأولى منه.

هذا المعطى الدستوري هو الذي يؤطر للتطور السياسي في المغرب، حتى لا ينساق نحو نزعة ذات طابع هيمني أو تغولي أو استئصالي، وحتى لا يظن البعض بأن الديمقراطية تنحصر في صنع القانون وتمريره لضمان مصالح ضيقة أو فتح الطريق لتحقيق الهيمنة والسيطرة أو الاستفراد بالقرار، كيفما كانت منطلقاته.

فإذا كانت الحكمة تقتضي “من باب التوازن والتعاون” مواكبة النمط الانتخابي وتطوير منظومتنا الانتخابية لتكون معبرة عن إرادة الشعب، فإن ذلك يقتضي التحلي بواجب مراعاة التعددية، التي تعني إغناء وإثراء المشهد السياسي، والتي لها في المشهد المغربي طابع عام يشمل حقوق الأقليات، ويرتبط بالحقوق التي لها علاقة بالتعدد الثقافي واللغوي والمجالي، وكذلك بتلك المرتبطة بمقاربة النوع.

لذلك، فحزب التقدم والاشتراكية يسعى دائما إلى تطوير وإصلاح وتحسين المنظومة الانتخابية. وهو حريص في ذات الوقت على احترام مبادئ الدستور والتأويل السليم والديمقراطي له. ومن تم، فهو لا يتردد في إعلان مواقفه بكل جرأة وبكل استقلالية، ويتصدى لكل ما من شأنه أن يبعد مسار التطور السياسي عن إطاره الدستوري. ومن هذا المنطلق، نندد دائما بكل نوازع الهيمنة والتحكم كيفما كان مصدرها أو أسس اعتمادها.

الصباح: دعا حليفكم السابق، في الكتلة الديمقراطية، في مذكرة رفعت إلى الأحزاب، إلى إصلاح المنظومة الانتخابية، كيف تفاعلتم مع مضامينها، وهل هناك لقاء في الأفق مع قيادة الاتحاد الاشتراكي لمناقشة المقترحات والتنسيق في القضايا التي تتفقون عليها؟

عبد اللطيف أعمو: أظن أنه يتعين، وقد أقول أنه من الواجب، على كل حزب يواكب الحياة السياسية في البلاد أن يبادر إلى الإعلان عن رأيه وحتى عن مقترحاته من أجل ضمان استمرار مشروع الإصلاح الشامل، ومن ضمنه إصلاح المنظومة الانتخابية. وحزب التقدم والاشتراكية ما فتئ يعبر باستمرار عن آراءه ويبسط مقترحاته ومبادراته في كل ما يتعلق بإصلاح المنظومة الانتخابية، وذلك بغية الرفع من مستوى التمثيلية النسائية والشبابية في جميع المجالس المنتخبة. كما أنه اعتاد على قبول لقاءات مع كل حزب يرغب في ذلك لمناقشة المقترحات والتنسيق وتقريب وجهات النظر، كلما توفرت شروط ذلك، اقتناعا منه بأن التجربة الديمقراطية في بلادنا تحتاج إلى مجهود أكبر بقصد إنضاجها من خلال الحوار المستمر والتفاعل الإيجابي ولقاء كل الفاعلين السياسيين. وهو ما جعل الحزب يتميز بروح الانفتاح والتخلي عن المنظور الضيق والفئوي في تعامله مع الآخرين، لكونه يؤمن بمبادئ الحوار المسؤول والهادئ، والذي يصب في آخر المطاف في مصلحة البلاد. وهذا ما جعله كذلك يدافع عن استقلاليته في الرأي والاختيار دون أن يتخلى عن مرجعياته وثوابته.

فالقيم والطموح الاجتماعي والحقوق الكونية للإنسان وتوازن السلط هي إحدى الأسس التي تأسس عليها ميثاق الكتلة، وهي نفسها ضمن المثل الاشتراكية التي تحكم حزب التقدم والاشتراكية. وهي قيم لا يمكن التفريط فيها رغم كل صعوبات المرحلة، المتمثلة أساسا في الأزمة الاقتصادية التي تعبر العالم وتزايد حاجيات الأمن المرتبط بظاهرة الإرهاب الداخلي والدولي والمشاكل المرتبطة بالتقلبات المناخية والهجرة واللجوء. وهي كلها من مخلفات الأزمة العامة التي يعيشها العالم، إضافة إلى صعوبات في ممارسة السلطة التي عرفتها الحكومة الحالية، خصوصا في سنواتها الأولى.

فهناك دائما بين المثالي والواقعي مسافة علينا كفاعلين سياسيين ننتمي إلى أسرة اليسار أن نقبلها ونتعامل إيجابيا معها من أجل تنمية ونهضة البلاد.

 

الصباح: يسعى التقدم والاشتراكية إلى رفع تمثيلية النساء في البرلمان، في أفق إقرار المناصفة. ما هي المقترحات التي تنوون التقدم بها في المشاورات مع الحكومة؟  وهل تسعون في الحزب إلى إعطاء النموذج من خلال اعتماد المناصفة في الترشيحات في انتخابات 7 أكتوبر؟

عبد اللطيف أعمو: بالفعل، فحزب التقدم والاشتراكية يسعى دائما – كما قلت سلفا – إلى الرفع من التمثيلية النسائية، ليس فقط في البرلمان، ولكن كذلك داخل المؤسسات المنتخبة تجسيدا للمنحى الديمقراطي للدستور، وبالنظر للبعد السياسي للقضية النسائية وللعلاقة الوثيقة بين الديمقراطية والمساواة، وإيمانا منه بأن معركة تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة لا يمكن أن تتحقق فقط على المستوى السياسي بل كذلك على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وأن للنساء في هاته المعركة مكانة يجب أن تكون متقدمة، وهو ما تسعى الحركات النسائية كذلك إلى تحقيقه.

ومقترحاتنا في هذا المجال معروفة لدى الجميع، وهي تهدف أساسا إلى تحصين المكتسبات وتثمين التراكمات عبر عقود من النضال من أجل المساواة والمناصفة. فعلى القوانين الانتخابية أن تعطي مكانة أقوى وأرفع للمرأة المغربية في المجال السياسي في أفق المناصفة. ويتعين اتخاذ تدابير في المجال الاقتصادي والاجتماعي لضمان احتلال المرأة لمراكز في مواقع القرار وضمان المزيد من الحقوق الاجتماعية للمرأة.

ونحن في حزب التقدم والاشتراكية نعول كثيرا على منتدى المناصفة والمساواة – الذي عقد مجلسه الوطني مؤخرا- كصلة وصل مع الهيئات المدنية والسياسية وكمشتل للمقترحات الحزبية في هذا الإطار، ونسعى دوما بثبات إلى الرفع من التمثيلية النسائية بغية تحقيق المناصفة ومحاربة الصورة النمطية لتوزيع الأدوار بين الجنسين من أجل تثبيت الديمقراطية الحقيقية والمساواة الفعلية. لأننا نقدر حجم القضية النسائية في بلادنا، وندعو دائما كل القوى التقدمية إلى التقاطع مع مطالبها التي تتموقع في جوهر المساواة والديمقراطية وتنسيق الجهود في العمل النضالي الوحدوي من أجل تحقيق المناصفة الحقيقية.

 

الصباح: سبق أن دعا الأمين العام للتقدم والاشتراكية إلى إحياء الكتلة الديمقراطية، هل يمكن الرهان على هذا الإطار في ظل تباين آراء ومبادرات مكونات الكتلة الثلاث؟

عبد اللطيف أعمو: كما تعلمون، فإن حزب التقدم والاشتراكية من مؤسسي الكتلة الديمقراطية، وما زال يتمسك بأرضية تأسيسها لكون المشروع الذي أقيمت من أجله ما زال لم يستكمل بعد أهدافه، وإن كان هذا التحالف الموضوعي يعرف خلال السنوات العشر الأخيرة تموجا ما بين مد وجزر، تتحكم فيه الظروف السياسية العامة في البلاد، منذ ما بعد تجربة حكومة التناوب التي عرفها المغرب، إلا أنها كتلة ظلت تحتفظ بإطارها وحيوية مشروعها وقابليتها للتنشيط وإعادة الحياة لهياكلها، وكذلك توسيع إطارها لتشمل قوى أخرى أثبتت إمكانية الانسجام وتقوية صفوفها، إذا ما استوعبت بقية الأطراف ذلك، في إطار تكتل تاريخي يمكن أن يلعب دورا قويا في إنجاح وإتمام ترسيخ أهداف المرحلة الانتقالية التي يتطلبها ترسيخ المبادئ والقيم التي عززها دستور 2011، خصوصا وأن المغرب في حاجة إلى تعميق الإصلاحات المجتمعية وإحداث تحول نوعي بالموازاة مع الإصلاحات الكبرى التي انطلقت، وبالخصوص في مجال إصلاح منظومة التربية والتكوين والاندماج الاجتماعي. الرهان في الحقيقة هو رهان المرحلة الذي يكمن في تحقيق الاستقرار الدائم الذي يسمح بإنعاش وضخ الدماء في المشروع التنموي المتكافئ والعادل. ولا بد أن يكون للكتلة الديمقراطية، بمنظور متجدد وبتفاعل حيوي مع الفاعلين الآخرين، دور رائد لرفع هذا الرهان.

 

الصباح: يعرف التحالف الحكومي تصدعا عشية الانتخابات التشريعية، خاصة بين بيجيدي والتجمع. هل سيؤثر ذلك على التحالف، خاصة في الدفاع المشترك عن الحصيلة الحكومية؟

 

عبد اللطيف أعمو: الكل يعرف المشاكل التي واجهتها حكومة الأستاذ عبد الإله بنكيران منذ انطلاقها والصعوبات المتعددة التي وجدتها أمامها والاختراقات والتفاعلات التي واجهتها وكادت تعصف بها. كما أن الجميع يعرف الظروف التي انسحب فيها حزب الاستقلال من هذه الحكومة وتعويضه بخليط من التقنوقراط بلون التجمع الوطني للأحرار. فأقيم بذلك تعاقد ظرفي، هدفه تجنب قلاقل واضطرابات قد تؤثر في أداء الجهاز التنفيذي، رغبة في خلق نوع من التعاون والإئتلاف الخاص حول نفس البرنامج الحكومي الذي زكاه البرلمان. وهذا التعهد محصور في العمل الحكومي بمكوناتها الأربعة دون أن يصل إلى درجة التحالف الشمولي العام. وهذا ما ظهر خلال الانتخابات الجماعية ليوم 4 شتنبر الماضي، وأكدته الكثير من التصريحات. فباستثناء الالتزام والوفاء  (التي تعد من قيم وشروط التحالف) والتي عبر عنها حزبي العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية من خلال مسارهما منذ انطلاق الحكومة إلى الآن، فإن مواقف الأطراف الأخرى متسمة بكثير من التذبذب إلى درجة تثير الأسف والشفقة في بعض الأحيان. وهذا ما يجعل الحكومة مجبرة، بحكم طبيعتها، على التحمل والصبر إلى نهاية الولاية التشريعية، وملزمة موضوعيا على الدفاع عن حصيلتها، خصوصا وأن هذه الحصيلة لا يستهان بها كما وكيفا، بالنظر إلى طبيعتها من جهة، وبالنظر إلى ظروف الولاية التشريعية بكاملها.

 

الصباح: ستعرف الغرفة الثانية قريبا مناقشة مشروع قانون إصلاح التقاعد. ما هي رؤيتكم في مجموعة العمل التقدمي للمشروع الحكومي، وكيف تنظرون إلى موقف رئيس الحكومة في رفض الحوار مع النقابات حول الموضوع؟

 

عبد اللطيف أعمو: بخصوص الحوار الاجتماعي عموما، فأكيد أن بلادنا راكمت تجربة نقابية مهمة مجسدة في تعددية تحترم الحرية النقابية وتعزز وحدة الصف النقابي، والتي ساهم في ترسيخها حزب التقدم والاشتراكية بجانب نضالات القوى الوطنية الديمقراطية الأخرى.

إن الحوار الثلاثي بين الحكومة والمنظمات المهنية للمشغلين والمنظمات النقابية للأجراء من جهة، والتعاون الثنائي المباشر بين منظمات أرباب العمل والمركزيات النقابية من جهة أخرى، يبقى مدخلا أساسيا لمواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يفرضها تطور العلاقات المهنية، ومنطلقا لتنزيل الإصلاحات الإيجابية التي لها أثر على جميع فئات المجتمع، ومأسسة الحوار الاجتماعي وضمان انتظامه في أفق التأسيس لميثاق وطني للحوار الاجتماعي والتوافق حول عقد اجتماعي جديد، من أجل جعل الحوار الاجتماعي وسيلة لخدمة التنمية المستدامة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

وعلى المستوى التشريعي، فكما تعلمون، فإن مجموعة العمل التقدمي أقيمت على ميثاق برلماني محض يضمن لكل عضو حرية التصويت، وفي نفس الوقت يعبر عن مواقفه انطلاقا من قناعاته مستحضرا كونه فصيلا من فصائل الأغلبية بالغرفة الثانية.

ومن هذا المنطلق، فإننا نعتبر أن إصلاح نظام التقاعد من الإصلاحات الكبرى التي أصبحت تحظى باهتمام الجميع، وفي نفس الوقت لها طابع استعجالي بسبب التأخر الحاصل في معالجتها في السنوات السابقة لهذه الحكومة. ونعتقد أن هذا المشروع أخذ الوقت الكافي في مسار المشاورات، ليس فقط مع النقابات ، ولكن مع كافة من له صلة به بشكل مباشر وغير مباشر، بالإضافة إلى ما تمخض من عمل جاد وقوي من أشغال اللجنة الوطني التقنية التي تكلفت بإعداد مخارج هذا الإصلاح، ثم الرأي الذي أبداه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي يتضمن تمثيلية الهيئات النقابية بجانب شخصيات وتمثيليات أخرى وخبراء. ومن هذا المنظور، فإننا نعتقد أن هذا المشروع استوفى كافة مراحل إعداده فأصبح اليوم أمام البرلمان، لتدارسه، مما سيفتح مجالا أوسع للمزيد من التعمق والاغناء بالمستجدات والمقترحات والتعديلات، وهي فرصة لتعميق الحوار خصوص مع النقابات الممثلة في الغرفة الثانية.

ولا أعتقد أن رئيس الحكومة رفض الحوار ولكنه يشعر بثقل المسؤولية الملقاة على كاهله، وما يتطلب منه الأمر من جرأة وإقدام على تحمل إنجاز هذا الإصلاح، وفاء منه بالوعود التي قدمها ليس فقط أمام البرلمان ، ولكن كذلك أمام الشعب. فلا بد من تقدير هذا الموقف والتعامل معه بشكل إيجابي ، حتى لا تبقى مسألة التعاقد والإصلاحات الكبرى مجرد مسألة سياسية أو ظرفية محصورة بين ذلك الطرف أو ذاك. وهي أمور تستوجب الحسم بشكل نهائي مع تدبير الزمن. وقد حان وقت الحسم، ولم يعد هذا الوقت قابلا للتمديد أو للتأخير.

الصباح: تعيش مجالس الجهات، بعد ستة أشهر من انتخابها، حالة من الشلل، بسبب تأخر الحكومة في إصدار المراسيم التطبيقية. كيف تفسرون هذا التأخر، وهل يتعلق الأمر كما ذهب إلى ذلك زعيم حزب معارض، بانعدام الثقة بين الرؤساء والولاة والعمال؟

عبد اللطيف أعمو: إن انطلاق نظام الجهوية بشكله الجديد وبقوانينه وآلياته وأنظمته المالية والإدارية التي أحدثت تفعيلا لمقتضيات الدستور، والقانون التنظيمي المتعلق بالجهات لا يمكن أن يتم دفعة واحدة بمجرد إرساء الأجهزة المؤسساتية المنتخبة للجهات.

فهناك من جهة، النظام الجهوي السابق والذي يشمل 16 جهة شرعت كلها في تنفيذ مخططاتها التنموية وأنجزت قسطا كبيرا من هذه المخططات، وهو ما يمكن القول معه بأن هناك تجربة متراكمة قد تحققت، سواء لدى المنتخبين أو لدى الإدارة الترابية.

ومن جهة ثانية، فإن تقليص الجهات إلى 12 جهة ترابية، وما استتبع ذلك من تقطيع  جهوي جديد لا بد أن يخلق إشكاليات عديدة تستدعي الإسراع في معالجتها في إطار من التشاور والتعاون بين كل الجهات، والسلطات الحكومية.

ومن جهة ثالثة، فإن تنزيل النظام المالي الجديد للجهات انطلاقا من مخصصات الميزانية العمومية للدولة وكيفية توزيعها ووضع الأنظمة الإدارية لتدبير الجهات وكذلك الإعداد لوضع المخططات التنموية للجهات ومخططات إعداد التراب الجهوي وإقامة الآليات الأخرى ذات الطابع التنفيذي كالوكالات وتفعيل الصناديق المواكبة: كل ذلك يتطلب وقتا كافيا قد يكون طويلا نسبيا، وربما يتطلب جهازا رابطا بين المجالس الجهوية والسلطات الحكومية.

ومن جهة رابعة، فإن إصدار المراسيم التطبيقية، كان من المفروض أن تكون جاهزة قبل تنصيب الجهات، مع انطلاق العمل بقوانينها الجديدة. إلا أن الملاحظ هو وجود تأخر كبير، فنحن اليوم نستهلك الشهر الخامس بعد انتخاب المجالس الجهوية ومصادقتها على ميزانيتها السنوية وتوزيع الفائض، ومع ذلك، لم تصدر بعد المراسيم التي تمكنها من الشروع الفعلي في عملها، مع العلم أن إعداد المخططات التنموية الجهوية ليس بالأمر الهين بل سيتطلب عمليا وقتا طويلا.

وأظن أن هذه الأمور تدخل كلها ضمن الإكراهات الظرفية، ولا أعتقد أن لها صلة بالثقة بين رؤساء الجهات والولاة والعمال، بل يتعلق الأمر بمطلب تضافر جهود الجميع.

فعلى رؤساء الجهات ومجالسها من جهة تكثيف العمل من أجل توفير قدر كبير من الانسجام بين مكونات الجهة ترابيا، بين أقاليمها وهيئاتها المحلية والجهوية من أجل إقرار ثقافة جهوية جديدة تعتمد على الانتماء والتشاور وشحد الامكانيات الذاتية وتفعيل الموارد المتاحة وتطويرها والبحث عن موارد أخرى، اعتمادا على ما هو متوفر من مقومات ومن تراكمات التجربة السابقة، والتي تتطلب التفعيل والتنفيذ، استعدادا لما يمكن تطويره في إطار منظور صحيح للجهوية الموسعة المتقدمة.

ومن جهة ثانية، فعلى السلطات الحكومية الإسراع بإصدار جميع المراسيم التطبيقية المتعلقة بالجهات، وبدون استثناء، حتى تتمكن أجهزة الجهة من تفعيل صلاحياتها واختصاصاتها في إطار التدبير الحر.

 

الصباح: كيف تقرأ تراجع أحزاب اليسار عموما أمام تقدم ملحوظ للبام والعدالة والتنمية، وما هي قراءتكم لأسباب تراجع جاذبية قوى اليسار من قبل الناخبين؟

عبد اللطيف أعمو: صحيح، فالكل يلامس ويلاحظ تراجع أحزاب اليسار أمام التقدم الملحوظ لتيارات مجتمعية أفرزت تصورات سياسية مختلفة، يغلب عليها الطابع الأخلاقي المحافظ في غالب الأحيان. وتراجع اليسار ليس ظاهرة محصورة في المغرب، بل هي ظاهرة عامة رغم بعض الانتعاش حتى في الدول التي عرفت ثورات وحققت تقدما في مجال الحداثة والتقدم، إلا أنها تعيش في ظل نظام رأسمالي غير ضامن للمستقبل، بحكم ما تنتجه من تناقضات وإخفاقات اجتماعية تزداد خطورة وتأثرا بسبب طغيان الأنظمة المالية المهيمنة على الأنظمة والخيارات السياسة، والتي أصبح معها كل شئ خاضعا لقواعد السوق. مما يهدد القيم الإنسانية والحقوق البشرية. فكان من الطبيعي، ظهور تيارات مناقضة بمختلف أشكالها. وما اليسار التقليدي إلا إحدى تجلياتها من منظوره القيمي المنفتح والحداثي وفقا لمشروعه الديمقراطي الذي يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.

فتشتت قوى اليسار وتناحرها حول تأويل مفاهيم إيديولوجية مؤطرة للعمل السياسي انطلقت منذ ستينات القرن الماضي، وما زال هذا التشتت يتسع ويتعمق دون التجدر في المجتمع، تاركا المجال للفصائل الأخرى من النزعات السياسية التي تناهض نظام العولمة الجديد من منطلق هوياتي، والتي تعتبر نفسها بديلا في تحقيق المجتمع الديمقراطي المنشود.

كما أن التفريط في التنظيمات القاعدية، الشبابية والنسائية والنقابية والمجتمعية، من الأسباب التي أدت إلى تعميق هذا التراجع في الساحة السياسية والانتخابية.

وأظن أن تخريب الذاكرة وطمسها تاريخيا يعد كذلك من الأسباب التي أدت إلى تراجع اليسار، بالنظر إلى ما كانت عليه الحركة اليسارية والتقدمية في ستينات وسبعينات وإلى غاية مطلع تسعينات القرن العشرين، حيث حصل هذا التآكل طوال هذه المدة دون الشروع في إعادة بناء هذه الذاكرة، رغم المحاولات التي تمت في إطار هيئة الإنصاف والمصالحة، ولم يتحقق لها استكمال مسارها حتى الآن.

وطبعا، فإن متطلبات الحياة السياسية اليوم أصبحت كثيرة ومعقدة من إمكانيات تنظيمية وفكرية وأساليب التنظيم والتأطير والترويج والحضور اليومي بجانب المواطن وملأ الفراغ واستغلال وتوظيف التحسن الحاصل في أجواء ومناخ الحريات العامة والفضاءات الإعلامية وسبل التواصل المتاحة، والتي لم يتم توظيفها واستغلالها، مع الأسف، بالشكل الجيد والكافي.

كل هذه الأسباب يمكن اعتبارها ضمن أسباب التراجع الذي أشرت إليه، ويمكن الإشارة كذلك إلى تراجع دور المثقفين، باعتبار أن المثقف هو الدعامة الخلفية للمجتمع في التوجيه والإعداد، حيث نلاحظ حصول احتباس وانسداد في الإنتاج الفكري، امتد لأكثر من عقدين، على عكس ما كان عليه الأمر سابقا، مما فتح المجال رحبا لتيارات تنشر أفكار التضليل والسطحية والتيئيس.

 

الصباح يستعد التقدم والاشتراكية لمؤتمره الوطني المقرر في ابريل المقبل. ما هي نوعية المراجعات التي سيقدم عليها الحزب في بنائه التنظيمي، وهل ستشمل المراجعة أيضا التوجه السياسي في اتجاه الانفتاح أكثر على مختلف الفئات؟

عبد اللطيف أعمو: إن الأمر لا يتعلق بمؤتمر وطني عادي، بل هو مؤتمر استثنائي طارئ تفرضه ظروف الحزب في ارتباط مع المرحلة الراهنة، الهدف منه هو إعطاء جرعة قوية للتنظيم الحزبي حتى يضمن فعالية أكثر، وذلك من خلال خلق جهاز تداولي بين اللجنة المركزية والمكتب السياسي يتسم بالمرونة والليونة والبساطة، ويعتبر جسرا تنظيميا بين مقررات اللجنة المركزية وتنفيذها عن طريق المكتب السياسي.

وهذه الآلية هي المجلس الإداري الذي يمكن أن يجتمع عدة مرات في السنة حسب ما سيستقر عليه رأي المؤتمر الاستثنائي الذي سيعرض عليه مقترح تعديل القانون الأساسي لملائمته وترسيخ وخلق هاته الآلية التنظيمية.

أما ما يتعلق بالتوجه السياسي والانفتاح أكثر، فهي أمور واضحة في أطروحات الحزب التي صادقت عليه مؤتمراته السابقة، وهي تدخل ضمن اختصاصات المؤتمر العادي الذي سينعقد في موعده.

وفيما يلي ننشر الحوار كما نشرته يومية الصباح

في عددها 4943 – ص 6

أعمو: نحن ضد الهيمنة والتحكم









الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموقع الرسمي للمستشار البرلماني عبداللطيف أعمو © www.ouammou.net © 2012