تجريم الإثراء غير المشروع

enrichissement1

قام مجلس الحكومة، المنعقد يوم الخميس 10 يونيو 2016 برئاسة رئيس الحكومة السيد عبد الإله ابن كيران ، بالمصادقة  على مشروع قانون رقم 16-10 الذي  تقدم به السيد وزير العدل والحريات، حيث يقضي القانون الجديد بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي مع الأخذ بالملاحظات المقدمة. ويستهدف هذا المشروع تقديم تعديلات محددة ذات ارتباط وثيق بتنزيل مشروع الإصلاح القضائي الجاري. 

ويأتي هذا المشروع، بعدة مستجدات تهم تجريم أفعال جديدة نشأت أساسا من مقتضيات الدستور ومن الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، ويتعلق الأمر بتجريم الاختفاء القسري وتهريب المهاجرين واستفادة الغير بسوء نية من الجرائم المالية المتعلقة بالاختلاس والغدر والرشوة واستغلال النفوذ وكذا الإثراء غير المشروع، بالإضافة إلى إدراج جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. 

وبخصوص تجريم الإثراء غير المشروع، صدر مقال في عدد يوم الأربعاء 27 يوليوز 2016 رقم 7878 من يومية ” بيان اليوم ” بقلم البرلماني عبد اللطيف أعمو يدقق ويعرف مفهوم تجريم الإثراء غير المشروع … وتعميما للفائدة، نورد فيما يلي نص المقال:

تجريم الإثراء غير المشروع: محاولة تعريف و تدقيق

(للاطلاع على نص المقال كما صدر في يومية بيان اليوم)

إن “الإثراء الغير المشروع” من منظور قانوني يظل مفهوما جديدا نسبيا في الأدبيات القانونية. ولهذا السبب فما زال لم يعالج بعد على نطاق أوسع وأشمل، على عكس مفاهيم الرشوة والجرائم الأخرى ذات الصلة.

ولقد بادرت الحكومة من خلال مشروع القانون الجنائي إلى خلق جريمة الإثراء الغير المشروع، حيث تنص المادة  256 – 8 على أنه يعد مرتكبا لجريمة الإثراء غير المشروع، ويعاقب بغرامة من 100.000  إلى 1.000.000   درهم، كل شخص ملزم بالتصريح الإجباري بالممتلكات طبقا للتشريع الجاري به العمل ثبت بعد توليه للوظيفة أو المهمة أن ذمته المالية أو ذمة أولاده القاصرين الخاضعين للتصريح عرفت زيادة كبيرة وغير مبررة، انطلاقا من التصريح بالممتلكات الذي أودعه المعني بالأمر، بعد صدور هذا القانون، مقارنة مع مصادر دخله المشروعة، ولم يدل بما يثبت المصدر المشروع لتلك الزيادة”.

إن هذا الموضوع ليس غريبا على التشريع المغربي، حيث ورد في الفصل 66 من قانون العقود والالتزامات أن ” من تسلم أو حاز شيئا أو أية قيمة أخرى مما هو مملوك للغير بدون سبب مبرر لهذا الإثراء التزم برده لمن أثري على حسابه”

وهي نظرية الإثراء بلا سبب التي اعتبرها التشريع المغربي ضمن مصادر التزام التي تبيح للمتضرر الذي تم الاغتناء على حسابه مطالبة المغتني برد ما أخذه بغير حق.

وبما أن الواقع يكشف عن وجود الإثراء على حساب المال العام من طرف بعض الموظفين عديمي الضمير مستعملين في ذلك كل وسائل الغش والاحتيال واستعمال النفوذ والمراكز القانونية من أجل الإثراء على حساب المال العام وإفقار ذمة الأشخاص الآخرين الذين يساهمون معه عن طريق الرشوة وتقديم الهدايا والإغراءات.

لذلك، أصبح التفكير في تطوير نظرية الإثراء بلا سبب نحو تحديث بعض الأفعال والأوصاف القانونية المرتبطة بها بقصد تجريمها في مواجهة ظاهرة انتشار الفساد بجميع أشكاله.

وفي هذا الإطار، أقدم المجتمع الدولي وهيئات المجتمع المدني على مبادرات أنتجت الكثير من التقارير حول ظاهرة الإثراء غير المشروع وقامت بجرد العديد من المخالفات المماثلة. كما ركز هذا الجهد الأدبي والحقوقي على الإطار المفاهيمي “للإثراء غير المشروع” enrichissement illicite من أجل الاتفاق على مضمونه وتحديد علاقاته مع غيره من الجرائم الاقتصادية ومقاربة إطاره  التنظيمي على الصعيدين الدولي والمحلي.

وفي هذا السياق، تدعو اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد من جهتها إلى تجريم الإثراء الغير المشروع: ” مع مراعاة مقتضيات الدستور والمبادئ الأساسية لنظامها القانوني،… يتعين على كل دولة طرف في الاتفاقية أن تعتمد تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم أفعال  الإثراء الغير المشروع، وهو ما يعني الزيادة الملحوظة في أصول موظف عمومي غير التي يمكنه أن يعللها بصورة معقولة قياسا مع دخله الشرعي … “. (المادة 20)

ولأجل استباق واقع مفاده ألا يبقى أولئك الذين يستفيدون من الجرائم الاقتصادية دون عقاب، اعتمدت معايير دولية ووطنية قد تمكن السلطات من معاقبة المخالفين، وتسهل متابعة واقتناص النصابين الاقتصاديين. كما تعمدت بعض الدول تصنيف  ” الإثراء غير المشروع” كجريمة منفصلة .

كما أن الإنشاء السريع لثروة مذهلة، والرغبة في استرداد الأصول الأجنبية المحولة بطرق غير مشروعة من قبل بعض المسؤولين، كلها عوامل تضغط في اتجاه الرغبة في البحث عن مصادر الإثراء غير المشروع وعن سبل معاقبته.

وعلاوة على ذلك، فمعاقبة الإثراء غير المشروع هو وسيلة لمحاربة الفساد، ويساهم كذلك في مكافحة أشكال أخرى من الجريمة، مما يعزز فائدة محاصرة هذا النوع من الإجرام والنضال لصالحه. لكن  إنشاء جريمة وإحداث المخالفة في مفهومها القانوني création de l’infraction   يثير إشكالات قانونية صعبة.

فعلى المشرع أن يحترم حقا المبادئ الأساسية للقانون الجنائي، وشرعية الجرائم والعقوبات وقرينة البراءة. وهي كلها مبادئ واردة في الدستور.

وهو ما يتطلب تعريفا واضحا لمفهوم “الإثراء غير المشروع”. وهذا أمر غير سهل، ويستحيل طلب إثبات شرعية الأصول من المتهم، لأن افتراض قرينة البراءة يضع عبء إثبات الجريمة على الجهة التي تتهمه بالاغتناء الغير المشروع. وهذا ما يفسر أن تجريم الإثراء غير المشروع يثير الجدل لدى العديد من الحقوقيين وخبراء القانون، وفي القانون المقارن دلائل على ذلك.

فالقانون الجنائي يعدد جرائم مختلفة يعاقب بموجبها على الوسائل غير المشروعة للإثراء، ومن ضمنها السرقة والاحتيال وخيانة الأمانة… إلى غير ذلك… وفي هذه الحالات تكون الوسيلة المستعملة هي المعاقب عليها: أخذ شئ ما بصفة  احتيالية من شخص ما وهي في ملكه، أو الاحتيال على شخص ما لابتزازه بصفة غير شرعية. فالاغتناء في هذه الحالة ليس إلا نتيجة لعمل ملموس. ومن ثم، فليس الاغتناء هو المعاقب عليه على هذا النحو.

فمعاقبة الإثراء غير المشروع دون المعرفة الدقيقة بأصل هذا الاغتناء لا يخلو من صعوبات حقيقية. وهو يعني معاقبة أفراد لا يستطيعون تبرير حيازة شئ ما  لا تبدو  صلته  واضحة  مع دخلهم الشرعي. وبالتالي فالسؤال يطرح حول تعريف جريمة ” الإثراء غير المشروع” ؟

تعريف  “الإثراء غير المشروع ” يجب أن تحترم مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الجنائية 

عندما يكون الشخص غير قادر على إثبات مصدر ثروته بطرق قانونية، فقد يكون متابعا بالإثراء غير المشروع. فكلمة “غير المشروع” مقتبسة من اللاتينية illicitus. وهي تعني أن ذلك لا يسمح به القانون أو الأخلاق. وهكذا يفهم العمل الغير القانوني بأنه فعل مخالف للقانون. ويمكننا أن نستنتج أن الإثراء غير المشروع هو مفهوم يشير إلى فعل الإثراء من خلال وسائل منافية ومخالفة للقانون.

يمكن اعتبار مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات معيارا معترفا بها دوليا بحكم أنه وارد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 11-2): ” لا يدان أي شخص جراء أداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل إلا إذا كان ذلك يعتبر جرماً وفقاً للقانون الوطني أو الدولي وقت الارتكاب، كذلك لا توقع عليه عقوبة أشد من تلك التي كان يجوز توقيعها وقت ارتكاب الجريمة. “. ويتكرر هذا المبدأ بنفس الشروط في المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

هذا المبدأ تضمنته كل الدساتير المغربية السابقة، وتنص المادة 23 من دستور 2011، في فقرتها الأولى على أنه “لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون. كما يشير الفصل الثالث من القانون الجنائي إلى أنه  “لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعد جريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون”.

وهي قاعدة أساسية في القانون الجنائي تشكل بذلك حصنا منيعا ضد التعسف، بحكم أنها تحظر على القاضي أن يصدر حكما على أساس سلوك لا يمنع الإقدام عليه صراحة في القانون الجنائي و / أو فرض عقوبة أقسى مما هي معتمدة. أي أن لا فعل يمكن أن يعاقب جنائيا دون نص قانوني يسبقه، ولكي لا يتم إفراغ المبدأ من كل مضمون، فيتعين تقديم الجريمة بدقة كافية. فالنص المجرم  ينبغي أن يصف الفعل المحظور بدقة ويوضح قصد الجاني منه.  وإذا صيغت النصوص القانونية بشكل غامض وباعتماد صيغ عامة وفضفاضة، فهي ستستهدف لا محالة عددا كبيرا من السلوكات المختلفة  وتكون مربكة ومثيرة للبس.

والمثال النموذجي لهذا النوع من النصوص التي تقبل التأويل ظهير 29 يونيو 1935 والذي يعاقب بعبارات غامضة جدا على ” تهديد الأمن العام ” أو “المساس بالأمن العام”، فبسبب غموض صياغته، فقد استخدم هذا الظهير لمعاقبة العديد من الناس على مجموعة من السلوكات المتنوعة، ولم يكن ذنبهم بالكاد، إلا أنهم لم تكن تصرفاتهم تروق ببساطة للسلطة، وعلى الرغم من إلحاح المدافعين عن حقوق الإنسان، فقد انتظرنا حتى سنة 1994 لتتم إلغاء هذا النص.

إن مبدأ الشرعية لا يستبعد تجريم الإثراء غير المشروع. ولكنه يلزمنا على أن نعطي تعريفا دقيقا له.

إن الاغتناء يمكن أن يعرف كخاصية تمكن من زيادة الممتلكات، بقصد تكوين ثروة. ولكن مثل هذا التعريف لا يمكن أن يشكل جريمة جنائية. ففي مجتمعاتنا، يعتبر الثراء والاغتناء مقبولا اجتماعيا ولا تعتبر جريمة. ولكي نعتبر أي إثراء جريمة، يجب أن يكون غير قانوني. ولكن كيف يمكن إثبات عدم شرعية الإثراء؟

إن البرهنة على دليل مثل هذا يقتضي إظهار  و إثبات  الفعل الغير القانوني في الأصل، إثراءا كان أو سرقة أو احتيالا أو خيانة للأمانة أو فسادا، الخ … وهو ما يزيح الفائدة المرجوة من خلق جريمة جديدة لأننا سنجد أنفسنا ملزمين بإثبات جريمة موجودة أصلا في القانون الجنائي.

إن التعريف الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد يحيل على: “زيادة هامة في أصول وثروة موظف عمومي ما، لا يمكنه أن يعللها بصفة معقولة، قياسا مع دخله الشرعي.” وبالتالي تتكون المشروعية فقط في عدم قدرة المتهم على إثبات ثروته بتزامن مع إيراداته. فهل مثل هذا التجريم ممكن؟

إن حقيقة تجريم سلوك الأفراد بحكم عدم قدرتهم على أن يبرروا بصفة معقولة امتلاك بضائع وممتلكات وغيرها مقارنة مع دخلهم الشرعي يثير قلق العديد من رجال القانون والمدافعين عن حقوق الإنسان، من منطلق أن هذا الاقتراح يتعارض مع مبدأ قرينة البراءة.

فمتابعة أو مقاضاة جريمة ما بمعالم واضحة يطرح نوعين من المشاكل:

أولها:  الصعوبات المرتبطة بالأدلة،

فإذا كنا نتابع حالات اغتناءً غير مشروع يصعب تفسيرها، فالتفسير المنطقي  لا يمكن أن يأتي إلا من طرف واحد، وهو المغتني. وبالتالي، فمن المنطقي أن نطلب من الشخص الذي اغتنى بأن يثبت بأنه فعل ذلك بطرق مشروعة moyens licites.

لكن مبدأ أساسيا آخر يفرض نفسه في المجال الجنائي، ألا وهو افتراض قرينة البراءة. وهذا مبدأ – مثله مثل مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات  légalité des délits et des peines – يتضمنه كذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته 11-1 حيث جاء فيه أن : ” كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه. ”  وقد ألح عليه كذلك العهد الخاص بالحقوق المدنية و السياسية  في المادة 14-2، حيث جاء فيه أنه “من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونا.

كما كرس الدستور مبدأ قرينة البراءة ” قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان.(المادة 23- 4). وأخيرا، ورد في المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية أن : “كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشئ المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية. يفسر الشك لفائدة المتهم “. ولكن ما هي قرينة البراءة ؟

إنها تطبيق لقاعدة عامة من الإجراءات، التي يتعين من خلالها على المشتكي إثبات حقيقة مزاعمه. وهي قاعدة قانونية تعبر عنها مقولة   ” البرهان  على  المدعي”. كما يتعزز مبدأ قرينة البراءة من خلال قاعدة ثانية أخرى منصوص عليها في المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية، يفسر الشك لفائدة المتهم

ففي القضايا الجنائية، يمكن تقديم الدليل على جريمة ما بأية وسيلة. والقاضي يقرر في قناعته الشخصية (المواد 286 وما يليها من قانون المسطرة الجنائية). وإذا بقي لديه شك على الرغم من الأدلة المقدمة، فيتعين على القاضي تبرئة المدعى عليه، كما هو منصوص عليه في المادة الأولى من نفس القانون.

وتنعكس هذه القاعدة في المحاكمة الجنائية بقوة: ففي الدعاوى والقضايا المدنية، حيث تكون المصالح الفردية على المحك، يوجد كلا الجانبين على قدم المساواة.

أما في القضايا الجنائية، فيكون المجتمع ممثلا في شخص المدعي العام والنيابة العامة ضد الشخص المتهم. والوجهة الوحيدة القوية في المعادلة هي السلطة العمومية، التي تكون قوية حينها ومسلحة بالسلطات الممنوحة لها من قبل الدولة، في حين يكون الآخر المتهم مجرد شخص عادي بإمكانياته الخاصة المحدودة للدفاع عن نفسه.

وهذا الموقف المضعف للمتهم في مواجهة موقف بارز وقوي للسلطة العمومية، يبرر افتراض قرينة البراءة، ويؤكد أهميته طيلة المتابعة والمحاكمة. وليس من الممكن إجبار الشخص المتهم على إثبات براءته، لأن ذلك سيكون مخالفا لهذا الافتراض.

إذن، فمطالبة شخص يحاكم بتهمة الإثراء غير المشروع بتبرير ثروته ومصدرها، هو  عكس لقوة  الإثبات renverser la charge de la preuve  ، وبالتالي سيكون ذلك مخالفا لمبدأ قرينة  البراءة.

ثانيها، الصعوبات المرتبطة بتحديد ” الإثراء”   الذي  يجب  متابعته

وهذه مشكلة أخرى يثيرها تجريم الإثراء غير المشروع: فمن ناحية، يكاد يكون من المستحيل إحصاء كل الناس الذين اغتنوا وحققوا ثروات هائلة؟ وإلى أي مدى حققوا ذلك ؟ وكيف فعلوا ذلك؟  فإذا كان يحلو للبعض أن يتبجحوا بثرواتهم ويتفاخروا بها، فالبعض الآخر أكثر حذرا، ويفضلون إخفاء علامات ومظاهر الثراء… أو تصديرها .

من ناحية أخرى، سيكون من السخافة سرد أسماء كل من اغتنوا أمام العدالة. فتحق متابعة أولئك الذين أصبحوا أغنياء باستعمال وسائل غير قانونية، لا غير. ولذلك فمن الضروري تحديد ما يمكن اعتباره محصلا عليه بطريقة غير مشروعة، ولمن تجوز المتابعة قضائية إن صح ذلك وثبت.

بالتأكيد، يجب تجنب الاتهامات المجانية أو مصادر الصحافة الخام كمصدر أساسي للمتابعة، كما يجب تفادي ترك حرية تقدير الشكوك  لقضاة التحقيق لوحدهم حول شرعية الاغتناء من عدمه  أو رفع دعوى ضد شخص ما ، لأن ذلك ينطوي على مخاطر تعسفية كبيرة . فوجود وسائل موثوقة وحجج دامغة للكشف عن سبل ومصادر الاغتناء الغير المشروع شرط أساسي لفرض عقوبات على الإثراء غير المشروع.

فضمن آليات التشريع، توجد آليتان للكشف عن الاغتناء الغير المشروع: وهما مراقبة ممتلكات الموظفين العموميين من خلال التصريح بالممتلكات والكشف عن غسل الأموال.

من الصعوبة إثبات عناصر  جريمة الإثراء غير المشروع

إن الاستنتاجات الأولية، تشير إلى أن تقديم الأدلة والعناصر المادية للجرائم الاقتصادية، وخاصة التي تهم الفساد والرشوة، هي واحدة من أصعب الحجج ملامسة، لأنها تتطلب في معظم الأحيان موارد متطورة وإمكانيات باهظة الثمن لا تتوفر للأسف لغالبية الدول النامية.

ففي مجال الرشوة، على سبيل المثال، “فالدليل الوحيد الملموس بأن جريمة قد اقترفت مثلا بين الموظف الفاسد وشريكه في ارتكاب جريمة الارتشاء وأدت إلى اغتناء الموظف الفاسد يصبح في معظم الأحيان تجليا واضحا للفساد.

فجريمة مثل الفساد والارتشاء فعل يتطلب دليلا على عرض أو قبول بين الموظف الفاسد والراشي، وليس من السهل في هذه الظروف “. فصعوبة إثبات الرشوة، في منظورها السلبي أو الإيجابي، تكمن في الحقيقة في أن هذا السلوك الإجرامي، يندرج ضمن خانة جرائم الظل.

فأصحاب المصلحة في فعل الارتشاء والفساد، يستفيدون واقعيا من أرباح “الصفقة”، كل على حدة،  وبالتالي فهم يزرعون الثقة بينهم بفعل المحظور المشترك. وبالتالي، فليس من مصلحة أي من الطرفين الكشف عن الاتفاق، أو على الأقل حتى يكسر واحد منهم حاجز الصمت قبل الآخر. فضحايا هذه الجريمة هم عامة الناس وهم ليسوا على بينة من هذا العمل الذي يسبب لهم ضررا غير مباشر، قليلا ما يعون خطورته  في كثير من الأحيان.

ومن إحدى المظاهر الرائجة لهذه الجريمة هي تراكم ثروة هائلة لموظف عمومي أو لمفوض له تدبير شأن عام، على الرغم من دخله الصغير. في الواقع كما لاحظ أيضا رسفولي باتريك إيف نويل Rafolisy Patrick Yves Noël “أن أسلوب حياة البذخ عند أصحاب المناصب العامة والعرض الواضح والبين للثروة المتراكمة قد يشكل دليلا يبرر افتراض المراوغةprésomption de prévarication.”

الإثراء غير المشروع: رشوة افتراضية

في العديد من القوانين، يعتبر الإثراء غير المشروع، بجانب جرائم أخرى، من ضمن الجرائم  المتصلة والمرتبطة بالرشوة. وفي رأي اليخاندرو ألفاريز  Alejandro E. Alvarez ف : “إن المعالجة القانونية للرشوة لا يمكن أن تدعي الكمال دون تحليل جريمة مصممة بشكل افتراضي، أي منصوص عليها في حالة فشل النظام القضائي في إثبات الرشوة “

فقد تم إدراج الاغتناء الغير المشروع ضمن الجرائم المنفصلة لتلبية الاحتياجات القانونية التي تحاول الالتفاف على العقبات التي تفرضها مواجهة عبء الإثبات في قضايا الفساد وبعض الجرائم الأخرى ذات الطبيعة الاقتصادية.

والدليل، كما يبينه أندريه فيتو وروجر ميرل، André Vitu et Roger Merle  هو أي وسيلة لتأكيد وجود أو عدم وجود واقعة معينة، أو صحة أو زيف فعل أو اقتراح ما. وعموما، فعلى النيابة العامة إنتاج كل الأدلة التي تثبت إدانة المتهم وفقا لمبدأ أن “عبء الإثبات يقع على المدعي.”

وفي واقع فعل الارتشاء بين  شخصين وبطريقة سرية، فإنه سيكون من الصعب على الجهة المتهمة أن تقدم أدلة عن ذلك. فالعنصر المادي المرئي الوحيد هو الثروة الهائلة التي راكمها المتهم مقارنة مع دخله القانوني. وهكذا، يمكن أن يطالب المدعى عليه بتبرير المصدر القانوني لثروته، والتخفيف من مبدأ قرينة البراءة وعبء الإثبات، والتي تعود مبدئيا في القانون الجنائي العام إلى النيابة العامة. هذا هو نهج مخالف لمبدأ الإجراءات في المجال الجنائي.

وفي بعض البلدان، يعارض المدافعون عن حقوق الإنسان فصل جريمة الإثراء غير المشروع بشكل مستقل autonomisation de l’infraction d’enrichissement illicite لأنها تحيل على بعض الحقوق الأساسية، ومن ضمنها قرينة البراءة.

والفكرة المعروضة في مواجهة هؤلاء المدافعين عن حقوق الإنسان هو أن الإثراء غير المشروع هو مسؤولية القانون الجنائي الخاص. وبموجب القانون، فالخاص يطغى على العام. وبالتالي، فجريمة الإثراء غير المشروع الذي يتبع لإجراء خاص لا يستحمل تطبيق المبادئ العامة في المسائل الجنائية.

الإثراء غير المشروع: العقوبة “النتيجة”

في قلب جريمة الإثراء غير المشروع، كما هو الحال بالنسبة لأي جريمة جنائية توجد مكونات الجريمة. والاغتناء غير المشروع، يكون في معظم الحالات، نتيجة ارتكاب جرائم أخرى بما في ذلك الرشوة وجرائم ذات الصلة.

والواقع أن الأنشطة الاقتصادية التي تؤدي إلى الاغتناء الغير المشروع ينبغي أن تكون معروفة ومعلومة. وغالبا ما يكون من الصعب معرفة أصل الثروات الضخمة التي راكمها موظفون عموميون. والأمر متروك للمسؤول المزعوم اغتناؤه بشكل غير قانوني لإثبات خلاف ذلك. فإذا كان غير قادر على تبرير المصدر القانوني لثروته، فعندها يكون الاغتناء نتيجة للجرائم التي ارتكبها.

ويوضح القانون المقارن، وعلى نطاق واسع بأن الدول التي أدخلت تجريم الاغتناء الغير المشروع إلى قوانينها منذ وقت طويل، كالسنغال ومالي والأرجنتين وبوروندي، وغيرها … لم تطبق هذه القوانين على مدى عقود. وأن عودتها اليوم إلى الواجهة تثير أكثر من سؤال بحيث أن هناك تخوف من أن يتم استغلال التدابير والإجراءات بخصوص الاغتناء الغير المشروع كمطية لتصفية حسابات سياسية فقط وليس من أجل تحسين الشفافية والحكامة… لأن النيابة العامة التي تبادر إلى تحريك المبادرة تبدو أيضا إلى حد كبير تابعة وخاضعة لقرار السلطة التنفيذية.

وبلدان أخرى تعرف جيدا مفهوم الإثراء غير المشروع ولكنها لا تستخدم عادة إلا كعنصر دليل، وغير كافي لوحده لتبرير الإدانة.

فيما يبدو مفهوم الإثراء غير المشروع غائبا في تشريعات أخرى. وعموما لا يمكن إدخال مفهوم تجريم الإثراء غير المشروع في التشريع من دون أن يتم تحديد فرضيات الادعاء والمتابعة بمنتهى الحذر.

فالأشخاص أو الهيئات التي يمكن أن تقوم بالمتابعة وتأمر بها ينبغي أن تكون هيئات مستقلة؛ وأن العناصر التي يمكن أن تستند عليها يجب أن تتوفر على تفاصيل دقيقة بشكل كبير، وإدخال عناصر لتبرير عكس عبء الإثبات  renversement de la charge de la preuve والذي سيولد من جهته كذلك انتقادات المدافعين عن المحاكمة العادلة، مهما كانت الاحتياطات المتخذة.

وكخلاصة، يعد إقدام المشرع المغربي على تجريم الإثراء الغير المشروع إضافة نوعية مكملة لتمنيع وتقوية جهاز محاربة الرشوة والفساد، ويقوي موقع السلطات العمومية وهيئات المجتمع المدني في فرض الرقابة وتتبع آثار الفساد أينما ظهرت.

عبد اللطيف أعمو









الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموقع الرسمي للمستشار البرلماني عبداللطيف أعمو © www.ouammou.net © 2012