إدماج الأنشطة المندمجة والموازية ضمن الزمن المدرسي

Untitled-1

خلال جلسة الأسئلة الشفهية ليوم الثلاثاء 5 فبراير 2019 سائل المستشار عبد اللطيف أعمو السيد وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي حول إدماج الأنشطة المندمجة ضمن الزمن المدرسي، مركزا على موقع الأنشطة المدرسية المندمجة في منظومة التربية والتكوين ومتسائلا عن المدرسة العمومية وعن الحياة المدرسية التي نريدها لأبنائنا؟ هل هي حياة مدرسية مفعمة بالتنشيط الثقافي والفني والأخلاقي والاجتماعي والأدبي والمعلومياتي، وغيرها من الأنشطة الهادفة والمتوجة بأحسن النتائج وأفضلها، أم هي حياة مدرسية غارقة في الجمود والركون والتلقين، تركن إلى الخمول والتطرف والانزواء والضعف الدراسي؟

وفيما يلي نص السؤال وجواب السيد الوزير وتعقيب ذ.أعمو:

ونظرا لمحدودية الوقت المخصص للسؤال والتعقيب، نورد أسفله عناصر التعقيب كاملة:

decrochage_scolaire_VA01

أنشطة مندمجة أم موازية؟

بداية، يقتضي الأمر استبدال مصطلح الأنشطة الموازية بمصطلح الأنشطة المندمجة للدلالة على أنها جزء لا يتجزء من أنشطة الحياة المدرسية. وهي أنشطة منهجية تدخل في صلب المنهج التربوي.

وهي تتناول كل ما يتصل بالحياة الدراسية وأنشطتها المختلفة ذات الارتباط بالمواد الدراسية أو الجوانب الاجتماعية والبيئية والثقافية لحياة التلميذ، بما في ذلك الأندية العلمية والعملية والرياضية والموسيقية والمسرحية والثقافية القيمية.

أهمية الأنشطة المندمجة:

تعتبر الأنشطة المندمجة من الركائز الأساسية التي تؤثر إيجابا في الحياة الدراسية ككل، وتجعل التلميذ شغوفا بالدراسة وتواقا أكثر لملاقاة زملائه في رحاب المؤسسة.

والهدف من هذه الأنشطة هو التخفيف من استئثار الأنشطة الفصلية بمجمل الزمن المدرسي، مما يعيق تنويع التعليم وتغيير فضاءاته وفتحه على آفاق تربوية أخرى لها فائدة كبرى في السير قدما بالعملية التعليمية  –  التعلمية. ولا شك أن الأنشطة المندمجة تساهم في الرفع من جاذبية المؤسسة التربوية، وتسمح للمتعلم بتفجير طاقاته الكامنة، وتساعده على امتلاك مهارات جديدة، وتمكنه من صقل مواهبه والتعبير عن مكنوناته، وتأكيد ذاته ومعرفتها، والتعرف على نقط قوته وضعفه بجانب تصحيح سلوكاته واكتساب قدرات العمل ضمن مجموعات. ولا نشك في أن لها تأثيرا على محاربة الانقطاع عن الدراسة والهدر المدرسي.

البعد الجهوي للأنشطة المندمجة:

إن للأنشطة المندمجة ارتباط بالبعد الجهوي، حيث تساهم في تكريس الجهوية، وتجعل المتعلم يحسّ بانتمائه الجغرافي والمحلي وتحقق له تواصلا ماديا مع محيطه.

تراجع أهمية الأنشطة المندمجة والموازية:

ولقد عمل المغرب على تشجيع هذه الأنشطة وجعلها شبه رسمية في بعض المؤسسات التعليمية “المحظوظة” وخلق لها مصلحة وزارية تدعى بمصلحة الأعمال التكميلية ثم بمصلحة الأنشطة الاجتماعية والتربوية والفنية والثقافية. وتتشعب أنشطتها وتتنوع (المسرح المدرسي والتربوي – التعاون المدرسي – المعامل التربوية – …) وتصدر الوزارة دليلا للحياة المدرسية غير النظامية.

كما إن الميثاق الوطني للتربية والتكوين في المادة 11 الخاصة بتشجيع التميز والتشريع الإداري والتربوي والبرنامج الاستعجالي E1P12 و المذكرة الوزارية رقم87 المؤرخة بـــ 10 يوليوز 2003، الخاصة بتفعيل أدوار الحياة المدرسية تشدد على تنظيم الأنشطة المندمجة لأهميتها ولما لها من قدرة على دعم وتصحيح التنشئة الاجتماعية لأجيالنا وتحقيق مصالحة تلامذتنا مع وسطهم المدرسي وتيسير التعلمات لفائدتهم.

ولقد اشتهرت المدرسة العمومية بكونها مشتلا للمواهب في شتى المجالات لعدة عقود، بجانب دور الشباب، وساهمت في تنشئة جيل من المبدعين والفنانين والرياضيين من خيرة ما أنجبته هذه البلاد.

لكن، تراجعت أهمية الأنشطة المندمجة والموازية ضمن الزمن المدرسي وتقلص مداها لدرجة تلامس البؤس. فتكاد جل المؤسسات التربوية العمومية تفتقر إلى منشطين ومربين وشركاء فاعلين في المجال، فما بالك بالتأطير النفسي والتوجيهي الفعال الضروري لمصاحبة الأطفال المحتاجين لدعم ومساعدة بقصد مسايرة الركب.

فيما انحصر دور الأطر التربوية بالكاد في إتمام المقررات التي أبانت عن محدوديتها وقلة فعاليتها، بجانب محاصرة أدوار جمعيات آباء وأولياء التلاميذ في أدوار “الكمبارس” وتهميشها وعدم إشراكها الفعلي في بلورة مشروع المؤسسة الذي سيترجم بالملموس الدعم الضروري للأنشطة المندمجة المتمثلة في مجموعة من الأنشطة التحسيسية والتربوية والترفيهية المكونة للحياة المدرسية داخل المؤسسة التربوية، وسيجسد بحق التفعيل الأمثل للمقاربة التشاركية في العمل التربوي.

فتشجيع الأنشطة المندمجة سيمكن المؤسسة التربوية من تجاوز وظيفتها التقليدية المحصورة في تقديم المعرفة النظرية الجاهزة، واستبدال إدارتها التربوية المنغلقة على نفسها والمقتصرة غالبا على تنفيذ التعليمات الرسمية دون إبداع ودون إشراك جهات أخرى بإدارة أكثر ديمقراطية وانفتاحا على محيطها.

وهذا الالتزام ضعيف للأسف في منظومتنا التربوية.

الأنشطة المندمجة حصن منيع ضد الانحراف

إن أهمية الأنشطة المندمجة تكمن في كونها حصنا منيعا ضد الانحراف وتربي على حب القراءة وتملك المهارات الضرورية في الحياة والمكملة للمدارك العلمية المكتسبة كالمواطنة والأخلاق الفاضلة والمشاركة والثقة في النفس والمنافسة الشريفة وامتلاك متعة البحث والتعلم …

ولم تعد المدرسة اليوم فضاء للتعليم والتلقين فقط في عزلة عن المجتمع، بل أضحت مدرسة للحياة وفضاء للسعاة والأمان وزرع الأمل وتبديد اليأس ومقاومة الانحراف.  فهي فضاء يشعر فيه المتعلم بالرعاية ودفء الانتماء.

والمدرسة يجب إعدادها لتكون مدرسة للمواطنة والإبداع والمشاركة والتنشيط والتفاعل البناء والإيجابي بين كل المتدخلين في الحياة المدرسية، من فاعلين تربويين وشركاء المدرسة الاقتصاديين والاجتماعيين وكل فعاليات المجتمع المدني.

فالأنشطة المندمجة والموازية تكسب أبنائنا حب وسطهم المدرسي، بدل  قيامهم بسلوكات غير مدنية ولا أخلاقية.

التكوين والشراكة في مجال التنشيط التربوي ليس ترفا أو هدرا للمال العام

كما أن تكوين المنشطين وتعزيز الدعم النفسي للطفل ليس ترفا أو هدرا للموارد، بل هو من مؤشرات نجاح المدرسة العمومية وجزء فعال في التأكيد على المساواة وتكافئ الفرص لفائدة كل أبناء المغاربة .

وعلينا تكوين المنشطين والمؤطرين المتمكنين من الجانب التحفيزي لإعداد الأطفال، والمحصنين بالجانب المعرفي – النظري منه والتطبيقي؛ و تكون لهم الكفاءة على تكييفها في سياق مضبوط لتحقيق الأهداف التربوية والأخلاقية المبرمجة. وتبني مقاربة المشروع في إعداد الأنشطة المندمجة بتعاون وتنسيق جدي مع مختلف الفاعلين. وسيكون هذا ربحا وقيمة مضافة للمدرسة العمومية.

فالميثاق الوطني للتربية والتكوين في عمقه يتوخى خلق مدرسة تتسم بالحياة والإبداع والمساهمة الجماعية في تحمل المسؤولية تسييرا وتدبيرا، كما أنه ينشد بناء مدرسة المواطنة الصالحة والديمقراطية وحقوق الإنسان، التي يشعر فيها المتعلم بسعادة التلمذة من خلال المشاركة الفعالة في أنشطتها مع باقي المتدخلين التربويين وشركاء المؤسسة: الداخليين والخارجيين، وعلى رأسهم (الأسرة وجمعية الآباء وأولياء التلاميذ، الجماعات الترابية، الفاعلون الاقتصاديون والاجتماعيون، …)

 معيقات مؤسساتية وأخرى ثقافية

من بين العوامل المعرقلة لتعميم هذه الأنشطة في المؤسسات التعليمية المغربية، والتي تحول دون تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها:

  • ما هو مرتبط بالجانب التواصلي، التنظيمي البيداغوجي، والمادي اللوجيستيكي لهذه الأنشطة، (المعيقات الديداكتيكية أو التربوية – المعيقات الإدارية – المعيقات المادية والبشرية،…)
  • ما هو متجذر في التمثل السلبي لوظيفة هذه الأنشطة (المعيقات الاجتمـاعية والثقافية).

توصيات:

  • التطبيق المنهجي لمضامين المذكرات الوزارية والجهوية المتعلقة بتنظيم عملية التنشيط في الحياة المدرسية ومجالاته المتعددة، بتضافر الجهود بين الجهاز الإداري وهيئة التدريس وإشراك التلاميذ وأوليائهم، وذلك بتشكيل لجنة مكلفة بمهام التنشيط التربوي، تنبثق عن مجلس تدبير المؤسسة،
  • تأسيس أندية تربوية تكلف بتنفيذ برامج الأنشطة المسطرة في إطار مشروع المؤسسة،
  • رصد حاجيات المؤسسات التربوية والعمل على توفير المستلزمات الضرورية لتنشيطها، مع تخصيص الاعتمادات المالية والبشرية الضرورية لذلك من طرف الوزارة الوصية،
  • تكوين منشطين متخصصين، مع إدخال مادة التنشيط animation داخل مقررات وزارة التربية الوطنية،
  • تبسيط المساطر القانونية وتسهيلها لمواكبة تطور الفضاء المدرسي والحياة المدرسية، والسماح بربط شراكات مع المحيط دون انتظار التأشير المركزي أو الجهوي أو المحلي.
  • عقد شراكات تربوية تأطيرية مع الفرق المسرحية الجهوية ومع معاهد الفنون التشكيلية … ومع النوادي الجهوية للشطرنج … وغيرها، لتأطير ورشات داخل المؤسسات التربوية،
  • وضع آليات من طرف الأكاديميات الجهوية لمراقبة وتتبع تنفيذ البرامج المسطرة لتنشيط الحياة المدرسية في بعدها الجهوي، ووضع برامج خاصة بالعالم القروي،
  • مراجعة البرامج التعليمية والمقررات الدراسية الحالية وجداول الحصص، بشكل يترك للمتلقن والمتعلم هامشا كافيا من الوقت للقيام بأنشطة موازية ومندمجة،
  • تفعيل دور المكتبة المدرسية بجعلها مركزا تكوينيا وتأطيريا للتلاميذ، والتحفيز على مشاريع قرائية لفائدة المتلقن.
  • ضرورة إيلاء عناية خاصة للداخليات، ولدور الطالب والطالبة بالعالم القروي، وعقد شراكات تربوية مع المؤسسات الاجتماعية والتعاون مع الشركاء التربويين والاجتماعيين والاقتصاديين من أجل مساعدة هذه المراكز الإيوائية التربوية على توفير تجهيزاتها اللازمة لإنجاز مختلف الأنشطة المندمجة خارج الزمن المدرسي.
  • العمل على ربط المؤسسات التربوية بالعالم الخارجي عن طريق التواصل مع المحيط قصد إقناعه بضرورة الانخراط في تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها ماديا ومعنويا لكون المدرسة ملكا للجميع… وعقد شراكات مع وزارة الثقافة والشباب والرياضة وغيرها في هذا الإطار.
  • العمل على رصد الكفاءات والمهارات التلاميذية في مختلف المجالات وتحفيزها على الخلق والإبداع ومتابعة مسارها الإبداعي طيلة مسارها الدراسي وتخصيص جوائز تقديرية لها.









الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموقع الرسمي للمستشار البرلماني عبداللطيف أعمو © www.ouammou.net © 2012