لقاء تشاوري مع السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الانسان والعلاقات مع البرلمان

rencontre cedaw

مباشرة بعد جلسة الأسئلة الشفهية ليوم الثلاثاء 7 يناير 2020 عقدت لجنة العدل والتشريع وحقوق الانسان بمجلس المستشارين لقاءا تشاوريا مع السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الانسان والعلاقات مع البرلمان حول إعداد التقرير الدوري الجامع للتقريرين الخامس والسادس لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

وبالمناسبة، تدخل المستشار البرلماني عبد اللطيف أعمو لإبداء العديد من الملاحظات حول مشروع التقرير الجامع للتقريرين الخامس والسادس بشأن تنفيذ اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

وتضمنت مداخلة المستشار عبد اللطيف أعمو تساؤلات حول فحوى وخلاصات المسار التشاوري الجهوي حول مضامين هذا التقرير مع منظمات وهيئات المجتمع المدني والفاعليين الترابيين الذي نظمته وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان بكل من فاس ومراكش والعيون خلال شهري نونبر ودجنبر 2019.

كما تطرق لأهم الالتزامات الدولية للمغرب على ضوء النقاش المجتمعي الدائر بخصوص مدونة الأسرة التي تحيط بتطبيقها أشكال من الميز والعنف والتجاوز، منها قضية الإجهاض وتزويج القاصرات، … والتي رغم الإجماع حول ضرورة إدخال إصلاح شامل على مقتضياتها، لا زالت جامدة، فضلا عن نقاشات ترتبط بدعوات لوضع تشريعات جديدة تهم الإرث بشكل يضمن إنصاف الإناث وحمايتهن ورعاية وتحسين وضعهن الاجتماعي.

فبالرغم من التقدم الملموس الذي أحرزه المغرب في مجال تعزيز المشاركة الكاملة والمنصفة للمرأة في كافة مناحي الحياة العامة، خصوصا بعد الإقرار الصريح لدستور 2011 لمبدأ المناصفة ومحاربة كافة أشكال التمييز ومبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة ، وتعزيز الإطار التشريعي، والتدابير الحمائية لفائدة المرأة المغربية، فما زال هناك خصاص حاد، يرتبط أساسا بوقع التفاوتات المجالية بين الوسطين الحضري والقروي على حقوق المرأة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وحرمان المرأة القروية من التمتع الكامل بحقوقها الأساسية.

وركزت المداخلة كذلك في شقها القطاعي أساسا على الجوانب الاجتماعية المتعلقة بالولوج إلى الخدمات الصحية والتربوية وإشكالية الهدر المدرسي التي تمس الفتاة القروية بوجه خاص، إضافة إلى محاور مرتبطة بالأسرة.

 وتعميما للفائدة، نورد فيما يلي، أهم الملاحظات التي تناولتها المداخلة بإسهاب.

Sans-titre-1-2

الملاحظة الأولى

إثارة الانتباه إلى القلق حول تزايد ظاهرة انتهاك مبادئ المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان. وهو ما يعد عقبة أمام مشاركة المرأة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية، على قدم المساواة مع الرجل، مع لفت الانتباه إلى أن وضع المرأة ليس فقط في المغرب، لكن كذلك في العالم، ما يزال هشا ومرتبكا، رغم الصكوك الدولية المختلفة. وتعيش المرأة تمييزا عميقا في مختلف المجتمعات القروية بالخصوص، مع تزايد العنف واللآمساواة بجانب الفقر والهشاشة، والتي تستهدفها بشكل خاص.

ورغم تطور مواثيق الأمم المتحدة وآليات عملها المتعددة في هذا المجال،  فإن رفع الظلم عن النساء ما زال تحديا كبيرا يستدعي تكاثف الجهود لضمان تنفيذ مقتضيات اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، بعد أن تم استنفاذ المبادئ الأساسية الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تؤكد مبدإ عدم جواز التمييز، وتعلن بأن جميع الناس هم أحرار متساوون في الكرامة والحقوق.

وأن ذلك لا يكفي، بحكم أن المبادئ تحتاج إلى تفعيل حقيقي على أرض الواقع. مما يفرض اتخاذ مبادرات  أكثر وضوحا وتماسكا، وعدم الاقتصار على مبادئ عامة،  سواء من خلال العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان، حيث يعتبر واجب ضمان المساواة بين الرجل والمرأة في التمتع بالحقوق الثقافية والاجتماعية والسياسية والبيئية أساسيا، أخذا بعين الاعتبار الاتفاقيات الدولية الموقعة برعاية الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة، التي تشجع على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق.

وهو ما تحققت معه أرضية خصبة للتصدي للإشكاليات الحقيقية والعميقة لأوضاع النساء من أجل الإسراع بمسلسل تحقيق المساواة بنسب عالية. وهو المشروع الذي تحمله اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (اتفاقية سيداو).

فالخلاصة، أن هناك تدرجا حقوقيا بين الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والمقررات المتخصصة وغيرها من المواثيق والمعاهدات: وكلها آليات أممية سمحت بتهيء أرضية خصبة، كانت سببا في نزول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

الملاحظة الثانية

أن المغرب توقف عند إعداد تقرير مماثل منذ سنة 2008. وهو ما جعل هذا التقرير الدوري الجامع للتقريرين الخامس والسادس لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة يشمل سنوات 2008 إلى 2019،  بحيث مرت أزيد من عشر سنوات على التقرير الأخير. وهو تقرير يتداخل بشكل كبير مع الأجوبة الواردة في التقرير المرحلي المتعلق بمتابعة تنفيذ توصيات الجولة الثالثة من آلية الاستعراض الدوري الشامل الذي هيئه المغرب في سنة 2017،  حيث يتقاطع معه في جوانب عدة.

الملاحظة الثالثة

أن مشروع  التقرير الدوري الجامع للتقريرين الخامس والسادس لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تطغى عليه العموميات والتعبير عن النوايا، دون الجواب عن الإشكاليات الواقعية والحقيقية التي تعاني منها النساء، والتي تحول دون تحقيق المساواة، انطلاقا من مرحلة الطفولة، مرورا بتكوين الأسرة وظروف التشغيل والتمكين من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية  ووصولا إلى مرحلة الشيخوخة.

ويظهر التقرير باهتا في مجال توفير الآليات الفعالة والضامنة للحماية بشكل واسع.

ومن جانب آخر، يتبين كذلك ضعف التقرير، لاقتصاره على الجانب التشريعي، وعلى بعض برامج الحكومة التي لا تتسم بالشمولية ولا بالتنفيذ الواسع، إضافة إلى إغفال دور  المنظمات الحقوقية والمدنية.

وفي الجانب المتعلق بالجهاز القضائي – الذي هو الضامن الأساسي والدستوري للحريات والمساواة – فإنه يمكن تسجيل خجل التقرير أو عدم قدرته على الإفصاح عن الوضع الغير المؤمن والضامن، المفروض من السلطة القضائية، أن تضطلع به بشكل قوي،  بل اكتفى التقرير ببعض الإجراءات الإصلاحية المتخذة كإحداث بعض أقسام الأسرة والتكوين المتخصص للقضاة والمذكرات الصادرة عن رئيس النيابة العامة.

وبخصوص الملاحظات مرتبطة ببعض القطاعات، تناولت مداخلة البرلماني عبد اللطيف أعمو، جوانب شتى ، من أهمها:

أ) قطاع الطفولة
حيث يتعين  إيجاد حلول منصفة للأطفال المجهولي النسب، والذين تقدر منظمات غير حكومية عددهم بأكثر من 500 ألف طفل في مختلف مدن المغرب، مع أحقيتهم في النسب والإرث.

مع التذكير بإشكالية أطفال الشوارع والمهملين وإشكالية توظيف البنات والفتيات في التسول، فيما محلهم الطبيعي هو المدرسة، مع ضرورة تنويع أشكال الحماية الصحية والثقافية  والتركيز على التربية وتحسين الأحوال المعيشية.

ب) محور الأسرة

ركزت المداخلة على الجوانب التالية:

  • وضع آليات لتحقيق الحق في المعيشة والمعاشرة المتساوية بين الرجل والمرأة في العلاقة الزوجية.
  • وضع آلية لتحقيق الإنصاف الاجتماعي لإخراج المرأة من بوتقة الموت الاجتماعي بسبب قوة الأعراف والتقاليد، والنظر إليها كمصدر للشر.

ت) محور الإنصاف القضائي

وضع معايير مضبوطة تحمي النساء من العقليات المتحجرة والمتخلفة والمتسلطة من قبل بعض من يمارسون السلطة القضائية.

ج) وضعية المرأة في المهجر
وبالخصوص المتزوجات اللواتي يعانين من التعسف والمعاملة بسوء النية من خلال ممارسة المساطر القضائية للطلاق أمام المحاكم المغربية دون علمها، وبالخصوص لما يكون مقر الزوجية في بلد المهجر، وتكون تمارس عملا مدرا للدخل.
مع التركيز على ضرورة توفير آليات واسعة لتحقيق الوعي الاجتماعي وإبراز مكانة المرأة ومكانة الأطفال في المجتمع.

ح) محور الحماية الاجتماعية
تحديد الإجراءات التي يجب اتخاذها لضمان المساواة في الولوج إلى العمل والمساواة في الأجور وفي الترقية.

د) التربية والتكوين

في هذا الجانب، تم لفت الانتباه لوضع الفتاة والمرأة في العالم القروي والظروف المعقدة والمتعددة، والتي تحول دون تمكينها من الحق في التعلم والتربية والصحة والسكن اللائق والعيش الكريم، مع ضرورة إيجاد آليات فعالة للتنسيق في مجال تنفيذ مقتضيات اتفاقية الطفل وتقاطعها مع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (اتفاقية السيداو)، خصوصا وأن المغرب يشهد نقاشا عموميا واسعا بمناسبة  الحملة الوطنية لوقف العنف ضد النساء، ولم يتم الانتباه بالشكل الكافي لظاهرة الانقطاع الاضطراري عن الدراسة بالنسبة للفتيات في القرى والجبال والمداشر والبوادي النائية، والذي يعتبر عنفا مركبا يتداخل فيه الاجتماعي مع ما هو اقتصادي ومجالي وثقافي … ويؤدي إلى عواقب وتبعات سلبية على المسار الحياتي للفتاة القروية كالبطالة والأمية والزواج المبكر…

فحسب تقرير “الأطلس المجالي الترابي للانقطاع الدراسي” الذي أصدره المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، انقطع 431.876 تلميذا وتلميذة من سلكي الثانوي الإعدادي، عن الدراسة، قبل حصولهم على الشهادة، وفق مؤشر ما بين 2014 و 2018، أي بنسبة 4,7 % من مجموع تلاميذ أسلاك التعليم الإجباري بالمغرب (الابتدائي والثانوي الإعدادي)…

ض) قضية تزويج القاصرات
وبخصوص تزويج القاصرات، تناولت المداخلة السلطة التقديرية للقاضي في هذا الباب، والتي تعتبر مدخلا للإجتهاد وتطبيق الاستثناءات،  حيث يمكن  لقاضي الأسرة المكلف بالزواج أن يأذن بزواج الفتاة دون سن الأهلية بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، وذلك ما توضحه المادة (20) من مدونة الأسرة. مما يعني أن هذه المادة بخلاف المادة 19 التي تحدد سن الزواج في  (18 سنة)، تفتح الباب لزواج القاصرات ما دون السن القانونية، في مخالفة صريحة للدستور الذي نص على سمو الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل، التي نصت على أن مرحلة الطفولة تنتهي بوصول الطفل إلى (18)سنة، وبالتالي يتحول هنا الاستثناء إلى قاعدة من حيث الإجراءات التي تم اعتمادها للإذن بالزواج، ويصبح النص القانوني انتصارا لعقلية تشريعية عرفية محافظة كان من المفروض أن تنتصر لحقوق الطفل.

فحسب الأرقام الرسمية، سجلت سنة 2004، 18.341 حالة تزويج للقاصرين، ثم ارتفع الرقم في سنة 2011 إلى 39.031 حالة، بنسبة بلغت 12 % من مجموع عقود الزواج المسجلة، وبعدها تراجعت حالات تزويج القاصرات في سنة 2018 بما يوازي 25.514 عقد زواج، بنسبة 9.13 % من مجموع العقود المسجلة خلال السنة.

وتشير المندوبية السامية للتخطيط، إلى أن 94.8 % من القاصرين المتزوجين هم إناث. (2017)

ش) محور الصحة
في هذا الجانب أشارت المداخلة إلى ضرورة التركيز على جعل قطاع الصحة إحدى البوابات الرئيسية لاستقبال وحماية النساء من الضغط النفسي والمعنوي والجسماني.

ص) الحماية من الاستغلال
التأكيد على أن محاربة العنف لا تقتصر على وضع قانون خاص يتضمن التدابير والإجراءات الحمائية لضحايا العنف،  ووضع تدابير الزجر والعقاب،  ولكن الأمر يتطلب مواجهة أفقية وعرضانية شاملة يشارك فيها الجميع.

الملاحظة الرابعة: دور الإعلام

والذي يتمثل في حماية المرأة واحترامها والالتزام بوقف كل تشهير وجعل المرأة موضوع الاستهلاك في الإشهار العمومي، واتخاذها كنمط للإغراء والمتعة وفتح الشهية والمساس بكرامة جسدها.

الملاحظة الخامسة: التأهيل السياسي

هناك حاجة إلى تقييم تجربة المغرب في مجال مشاركة النساء في العمل السياسي محليا وجهويا ووطنيا،  وتقييم تجربة النمط الانتخابي لإبراز خلاصات يمكن أن تكون أرضية لكل مشروع إصلاحي  للنمط الانتخابي.

الملاحظة السادسة: دور القضاء

تقر كل المواثيق الدولية والقوانين الوطنية، وعلى رأسها الدستور بأن السلطة القضائية هي الضامنة للحريات، وبالخصوص عندما يتعلق الأمر بفئات لها خصوصيات وتستدعي عناية خاصة لتحقيق المساواة بين الرجال والنساء.

وبغض النظر عن بعض الحالات التي لها طابع أمني التي تنحو نحو محاربة الجريمة،  فإن دور القضاء في رفع تحدي تنفيذ مضامين اتفاقية السيداو ما زال لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب.

مما يتطلب تفعيل هذا الجانب وتكثيف آليات التكوين والتواصل وتوسيع مجال التنسيق والضبط والحماية الكاملة.

 

 









الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموقع الرسمي للمستشار البرلماني عبداللطيف أعمو © www.ouammou.net © 2012