الحماية الاجتماعية: أية مقاربة لربح رهانات التوحيد والجودة والحكامة

A9

طبقا لأحكام الفصل 100 من الدستور، عقد مجلس المستشارين يوم الثلاثاء 15 دجنبر 2020، جلسة عمومية شهرية خصصت لتقديم “الأجوبة عن الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة من قبل السيد رئيس الحكومة”، حول موضوعي:

–  الحماية الاجتماعية: أية مقاربة لربح رهانات التوحيد والجودة والحكامة؛

–  استراتيجية الحكومة للنهوض بقطاعي السياحة والصناعة في ظل تداعيات جائحة كورونا.

واختار مستشارا حزب التقدم والاشتراكية، عبد اللطيف أعمو وعدي شجيري، التدخل في المحور الأول:

وفيما يلي نص المداخلة:

السيد الرئيس،

السيد رئيس الحكومة المحترم،

السيدات والسادة الوزراء،

السيدات والسادة المستشارون،
لست بحاجة إلى التذكير بأن الحق في الحماية الاجتماعية أضحى حقا أساسيا من حقوق الانسان، باعتباره أساس كل تنمية مستدامة، والتي لن تتم بمعزل عن توفير الحماية الاجتماعية.
فانطلاقا من قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سنة 2015 بشأن أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030  إلى المادتين 22 و 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتقرير العالمي للحماية الاجتماعية (2017- 2019) الذي أوصى بالرفع من الإنفاق الاجتماعي على الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاقها، بجانب اهتمامات منظمة العمل الدولية بهذا الموضوع. فأصدر ترسانة قانونية من ضمنها الاتفاقية 102 لسنة 1952 والتوصية 202 المتعلقة بالأرضيات الوطنية للحماية الاجتماعية. مما أصبح معه المجتمع الدولي يطالب باعتماد حماية اجتماعية واقتصادية. وبجانب كل هذا، هناك دعوات جلالة الملك من خلال مبادراته وخطبه إلى الحكومة بإعطاء الأهمية القصوى للتنمية الاجتماعية.
السيد رئيس الحكومة المحترم،
إن الحماية الاجتماعية،في منظورها الواسع، قد تتعلق بالجانب المرتبط بالرعاية  أو تشمل سياسات محددة تقوم بها الدولة لحماية بعض الفئات الهشة من المجتمع من أجل تحقيق أغراض معينة.
وقد تدخل ضمن خانة الدعم والإحسان إلى بعض الفئات.  بينما يلزمنا تعريف الحماية الاجتماعية، باعتماد مفهوم أوسع وأشمل من الرعاية الاجتماعية.
والحديث عن الحماية الاجتماعية هو توسيع للدائرة، لتشمل معايير وضمانات أقوى من الرعاية الاجتماعية،بشكل تتوخى تقديم مساعدات اجتماعية، وهي دعوة إلى أن تكون هناك استراتيجية عامة،  لإرساء أرضية وطنية للحماية الاجتماعية تهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة، مع ضمان  استقلالية الأشخاص، خصوصا بالحصول على شغل وعلى دخل يضمن لهم الكرامة والحرية والاستقلالية.مما يعني أن على الدولة أولا مسؤولية تحقيق مجموعة من مظاهر الحماية للفرد، في دخله وحياته وصحته وفي مستقبله، عندما يعجز عن العمل أو عند تقاعده، وذلك بضمان حد أدنى من الدخل يعيش به هو وأفراد أسرته، عيشا كريما.
وفي هذا التوجه، جاء الفصل 31 من الدستور المغربي لينص على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، من الحق في : العلاج والعناية الصحية؛ وفي الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة ؛ (…)
و لابد هنا كذلك من الحديث باختصار شديد عن منظومة الحماية الاجتماعية المحددة بمقتضى الظهير المنظم للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (ظهير 27 يوليوز 1972) المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي في المغرب.
هذا القانون الذي تم تعديله لمرات عديدة،  إلى أن صدر القانون الأخير المتعلق بالتغطية الصحية، والذي كان الهدف منه هو ضم فئات جديدة وتوسيع دائرة الاستفادة من مقتضيات الظهير.
وفي سنة 1981 تم إدراج العمال الفلاحيين ضمن لائحة المستفيدين من المقتضيات التي يضمها الظهير،  وخصوصا التعويضات قصيرة  وطويلة الأمد والتعويضات العائلية،  كذلك الشأن بالنسبة لمجموعة من الفئات الأخرى كالعمال المنزليين مثلا، مرورا بعمال الصناعة التقليدية والأجراء المستقلين، الذين بإمكانهم الانخراط والاشتراك والاستفادة من مقتضيات الظهير المذكور. إذن، فالسياسة الحكومية العامة تتجه نحو توسيع دائرة المستفيدين من هذا الظهير.
ولحدود الساعة،  ووفقا لإحصائيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فالمستفيدون يقدرون بحوالي 3,5 مليون مواطن.  لكن، الفئات النشيطة أكبر من هذا بكثير.  مما يعني أن مجموع من يؤدون عملا ما في المغرب كان من المفروض أن يستفيدوا من هذا الظهير. لكن القطاع غير المهيكل، والذي يضم عددا كبيرا من الفئات العاملة ما زال موجودا خارج التغطية الاجتماعية.
السيد رئيس الحكومة المحترم،
إن من دروس جائحة كورونا أننافي حاجة ماسة إلى تطوير منظومة الحماية الاجتماعية،التي اتضحت بجلاء أوجه القصور التي تعاني منها.
فأنظمة التقاعد لا تغطي إلا 40 % فقط من الساكنة النشيطة بالمغرب، فيما التغطية الصحية لا تشمل سوى 54,6 % من المغاربة وفقا لمعطيات سنة 2016. بينما معدل الحماية لدى عدد من الفئات تظل محدودة أو غير موجودة (الأشخاص في وضعية إعاقة –  الأطفال-  المسنون بدون دخل-  الأشخاص الذين يواجهون حوادث الشغل والحوادث المهنية وفقدان الشغل والبطالة … )
فالضعف يميز برامج الحماية الاجتماعية، والصناديق تكلف خزينة الدولة الكثير من الأموال، في غياب للتقييم والتدقيق، وفي غياب للنجاعة في الأداء والفعالية في النتائج وفي غياب للرؤية الموحدة المنتجة.
وتقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنة 2018 حول منظومة الحماية الاجتماعية قدم تشخيصا دقيقا، يقر فيه بأن  منظومةالحماية الاجتماعية تتسم في مجملها بالتجزئ والمحدودية وعدم التكافؤ والهشاشة.
كما تعاني المنظومة من عدة اختلالات منها: غياب استراتيجية رسمية والافتقاد إلى نظام موحد للمعلومات والمحاسبة وتعدد المصالح التقنية الوصية وهيئات الرقابة وتدني مستوى التنسيق بينها، فضلا عن ضعف إشراك الشركاء الاجتماعيين في هيئات الحكامة والإشراف والرقابة.
كما شدد المجلس على الحاجة الملحة إلى إجراء إصلاح جذري للمنظومة الخاصة بالضمان والمساعدة الاجتماعيين، موصيا بــإعداد استراتيجية وطنية ووضع إطار ينبثق عن حوار اجتماعي وطني بغرض تعميم الحماية الاجتماعية والتحسين المستمر لمستويات التأمين.ويقترح المجلس في ذات الوقت إعداد ميزانية اجتماعية يتم إلحاقها بقانون المالية، وتخضع للتصويت من قبل البرلمان.
كما يدعو إلى إرساء نظام وطني مندمج للمعلومات يرتكز على اعتماد رقم تعريف اجتماعي وطني يتيح التقائية نظم المعلومات الخاصة بنظم الحماية الاجتماعية،  إضافة إلى وضع شبكة مؤشرات لتقييم أداء هيئات الاحتياط الاجتماعي تهم المخاطر والنتائج وجودة الخدمات.
السيد رئيس الحكومة المحترم،
إن الحديث عن الإرادة السياسية القوية حديث يكتسي راهنية كبرى. فقياس منظمة العمل الدولية في دراسة لأنظمة الحماية الاجتماعية المقارنة نابع من قياس أهمية استثمارات الدولة في قطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي، وهي ترى أن المجهود المبذول في هذه القطاعات الحيوية غير كاف أصلا في المغرب للحصول على نتائج مرضية ومقنعة.
فهل التغطية الصحية المتوفرة، مع محدوديتها، توازيها خدمات صحية في المستوى؟
خلال سنتي 2019-2020 مثلا، استقرت ميزانية وزارة الصحة في مستوى 6.55 % منميزانية الدولة، بدون احتساب الدين العمومي. وإذا احتسبنا الدين العمومي، فلا تتعدى 3.65 %. فيما منظمة الصحة العالمية توصي بنسبة تتراوح ما بين 10 إلى 15 % من ميزانية الدولة. مع العلم أنه، منذ 15 سنة الماضية، ظلت ميزانية وزارة الصحة متراوحة ما بين 1,3 و 1,4 % من الناتج الداخلي الخام. ولدينا في المغرب 1.5 إطار طبي لكل 1000 مواطن (أي حوالي 12.000 طبيب، ونفس العدد بالنسبة للصيادلة). ومنظمة الصحة العالمية توصي بـــ 4.45 طبيب لكل ألف مواطن. ونحن ما زلنا بعيدين عن هذا الهدف.
وفي سنة 2019، وصلت ميزانية وزارة الصحة إلى مستوى 16.331 مليار درهم (أي 6.55 %من ميزانية الدولة). وفي سنة 2020، وصلت إلى 18.680 مليار درهم. وجدير بالذكر، أن تعزيز الموارد البشرية للقطاع الصحي، بإضافة 4000 منصب مالي في سنة 2019 يوازيه فقدان3577 منصب مالي ما بين 2018 و 2019.
كما أننا نعيش مفارقة عجيبة، بحيث أن 90 % من أموال التغطية الصحية الإجبارية AMO تذهب للقطاع الخاص، بدل أن تضخ في النظام العام لتقوية دعمه. فلا يمكن الحديث عن التغطية الصحية الإجبارية دون الحديث عن وضعية الصحة العمومية ووضعية المستشفى العمومي.
فلا بد من تحسين العرض الطبي والصحي وتحسين الخدمات الاستشفائية، وفي مقدمتها الرفع من ميزانية وزارة الصحة.حيث، لا يمكن بتاتا، تصور إقلاع حقيقي في مجال الحماية الاجتماعية، ولا تصور نموذج تنموي في مستوى تطلعات المغاربة،دون تحسين هذه المؤشرات والمراهنة الحقيقية على الصحة العمومية.
لكننا للأسف، نلاحظ أنه في الوقت الذي كانت فيه بلادنا في حاجة إلى قطاع عمومي قوي، ساهمت السياسات الحكومية بالعكس في تعميق هشاشته وتعزيز ضعفه، مقابل تقديم الدعم للقطاع الخاص … وبصفة عامة،  تخلت الدولة تدريجيا عن القطاع الاجتماعي منذ عقود. وهنا مربط الفرس بالتحديد. وهذا التردي الكمي والنوعي للقطاع العمومي تؤدي ثمنه أساسا قطاعات الصحة والتعليم وسوق الشغل وإدماج الشباب.
ويتعين الإقرار بأن إرث الماضي وواقع اليوم، هو نتيجة سياسات متعاقبة أنتجت الإقصاء والتهميش.
ولا يمكن التطرق للحماية الاجتماعية دون النظر إلى المنظومة ككل. فهناك علاقة جدلية بينما هو اقتصادي واجتماعي. ولقد حصل توافق في السنوات الأخيرة بين البنك الدولي ومؤسسة العمل الدولية لمراعاة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، دون الانتباه فقط للتوازنات الماكرو اقتصادية.
ومن استنتاجات دراسة منظمة العمل الدولية المقارنة، أن المغرب قادر على رفع رهان تحسين جودة منظومة الحماية الاجتماعية، بالنظر إلى الموارد المتوفرة. وأن المغرب يتوفر على موارد لتحقيق الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية. ويمكن القول أنه بالتمويل الحالي وبزيادة 2.5 % إضافية مما نخصصه اليوم، يمكن تحقيق فعالية أكبر.
وقد أخذ تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول الوضعية والآفاق  نفس المنحى، مشيرا إلى أنه انطلاقا من التمويل الحالي يمكن إنجاز ما هو أحسن وأفضل مما تحقق، باعتماد مبدإ التضامن الاجتماعي والتضامن بين الأجيال وعدم تشتيت التدخلات واعتماد الحكامة الجيدة في التدبير.
وأن هذا الطموح الرقمي إن تحقق، قد يمكن من الاستفادة بنسبة 100% من تعويضات عتبة الفقر بالنسبة للأسر المعوزة، وضمان 50 %من الحد الأدنى من الأجور لفائدة الأشخاص في وضعية فقر، والبالغين 65 سنة، فما فوق، مع توفير إعانة عن البطالة بنسبة 70 %من الحد الأدنى من الأجور، …
ولو استطعنا تحقيق هذاالهدف وتفعيله،  لكان في مقدورنا في ذات الوقت تحقيق 5 أهداف تتضمنها أهداف التنمية المستدامة في أفق سنة 2030.
فأين نحن اليوم من هذا الطموح؟ وماذا يتطلب من مجهود  لتفعيله؟
إن المطلوب أساسا هو أن تتوفر الإرادة السياسية والعزيمة القوية لكسب الرهان من طرف الحكومة.  وحسب الملاحظين، فإن هذه الإرادة السياسية ما زالت ضعيفة. وحسبنا أن تكون القيادة الملكية لتعميم المنظومة بمثابة رسالة قوية.
ولكن، الإرادة الملكية تحتاج إلى روابط relais ودعامات عمومية قوية وإلى متابعة حكومية حازمة… وإلى قدرة تنفيذية متحمسة. فهل لدى باقي الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين ( الحكومة –  النقابات-  أرباب العمل- …) نفس الرغبة السياسية والقيادة القوية للتغيير، حيث أن الأمر يتعلق أصلا بفكرة تضامنية وبإرادة تعاضدية. وهل الأحزاب السياسية من جهتها قادرة على التعبئة في هذا المجال بهدف رفع التحديات، في ظروف تتميز بضعف الثقة في عدد من مؤسسات الوساطة.
السيد رئيس الحكومة المحترم،
إن إشكالية الحكامة مطروحة بحدة في المجال، فلدينا آليات للضمان الاجتماعي تعتمد مبادئ التأمين الاجتماعي، وهناك أيضا برامج المساعدة الاجتماعية التي تتحملها الدولة. وقد بنيتمنظومة الحماية الاجتماعية عبر مراحل، وتتكون من عشرات البرامج،  وهي أصلا أنظمة بنيت دون الأخذ بعين الاعتبار بمسألة ديمومتها واستدامتها، مع غياب آليات موحدة للاستهداف حسب برامج المساعدة الاجتماعية.
إلا أننا نعاني من عدم استثمار فرص التكامل بين مختلف البرامج، مع تعدد المصادر المشرفة على البرامج الاجتماعية، حيث تتدخل في منظومة الحماية الاجتماعية في البلاد 14 وزارة و 8 مؤسسات عمومية تحت الوصاية،تدبر ما يقارب 120 برنامج ونظام خاص بالمجال الاجتماعي. وكلها قطاعات لها دخل مباشر أو غير مباشر بمنظومة الحماية الاجتماعية ككل.
ولا يمكن الاتكال في هذا على التشردم والتشتت في المجال الاجتماعي… حيث تعرف بلادنا كذلك وجود 5 أنظمة لتسيير التقاعد العمومي، بجانب 28 تعاضدية، و هيئتين خاصتين بالتأمين الإجباري.
إن المهن الحرة تطرح اليوم إشكالات حقيقية للتصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (عمال المقاهي وغيرهم  من المهن الحرة … وكذلك المهن المحترمة – …)  وهي قد تمثل أكثر مما يمثله القطاع الصناعي.
إن الورش المفتوح اليوم هو فاتحة لفتح ورش جديد لمراجعة المنظومة الصحية، ومنظومة الحماية الاجتماعية ككل، في ظل رهانات جديدة، متمثلة أساسا في أن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي كان يدبر علاقة الشغل، أصبح اليوم مطالبا بتدبير علاقة جديدة مع مهام جديدة.
ولا يجب إغفال التحديات الجديدة، بحكم أنه يجب النظر إلى ما بعد جائحة كورونا كتحدي تنظيمي وهيكلي لمواجهة ومجابهة أزمات صحية مماثلة، وتحديات بيئية متكررة مستقبلا.
كما أن تطور العولمة، سيلزمنا، بحكم انخراطنا في منظومة، تراجع فيها العديد من الدول سياساتها، في اتجاه إعادة توطين العديد من الأنشطة الاقتصادية والصناعية والسياحية والخدماتية، والتي ستفرض علينا رهانات جديدة مرتبطة بالمجال الاجتماعي، ومن ضمنها تعزيز السياسة الدوائية،  والسير بعيدا في مسار تخفيض أثمنة الأدوية،  وبسرعة، والسير في مسار تصنيع الأدوية المكلفة والباهضة الثمن وطنيا.
كما أن تفعيل هذا الورش سيحتاج إلى تفعيل الآليات الزجريةالتي تتوفر عليها منظومة الشغل، والتي تظل اليوم محدودة وغير فعالة، فيما يعاني جهاز التفتيش من محدودية الموارد البشرية والمالية.

فنحن لا نفهم كيف يتم فتح هذا الورش الهام دون أن تكون لوزارة التشغيل مناصب شغل في ميزانية 2021 مثلا. كما أنه لا يعقل أن نتوفر فقط على 317 مفتش شغل، والمقاولات لوحدها تصل من 200 إلى 250 ألف مقاولة. وهذا الورش لا يمكن إنجاحه بدون طفرة نوعية في حكامة  المنظومة الرقابية ككل.

 

السيد رئيس الحكومة المحترم،

إن وضع رقم وطني موحد identifiant public وسجل اجتماعي موحد سيمكن لا محالة من إمكانية التفاعل بين مختلف الأنظمة وبين جميع الأجهزة العاملة في مجال الحماية الاجتماعية لتوحيد طرق الاستهداف وتحقيق التكامل بين البرامج.

لكننا ما زلنا نشكو من غياب ثقافة التقييم والتقويم أو من عدم تفعيلها عند وضع السياسات العمومية.فإذا كان المرصد الوطني للتنمية البشرية يقوم بتقييمات مرحلية، مثله مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. فلا يتم  عموما الأخذ بالتوصيات، ولا يتم التجاوب معالتقارير بالشكل المطلوب.
وفي باب التقييم، يحق لنا التساؤل، أين وصل السجل الوطني الموحدمنذ سنة 2018؟  حيث بدأت تجربة نموذجية بجهة الرباط لاستهداف الفئات المعنية، ثم في مرحلة ثانية ما بين سنوات 2019 و 2022 كان متوقعا أن يتم تعميم التجربة… فأين وصل هذا المسار؟ وما هو تقييمه الموضوعي؟
كما أن 54 % من موارد الدخل الوطني تخصص للقطاعات الاجتماعية، ولكننا لم نطرح سؤال تقييم وقع هذا الجهد الوطني العام على المواطن؟ فأين تذهب هذه الموارد؟ ومن يستفيد منها؟ ومن هي الفئات المستهدفة؟ وبأية معايير؟ وأين وصل برنامج التعويض عن فقدان الشغل مثلا ؟  وأين وصل برنامج التغطية الصحية لفائدة الطلبة من جهته كذلك؟ وغيرها من الأسئلة، ….
كما أن 60 % لا يستفيدون من التغطية الاجتماعية بصفة عامة،  وجزء كبير منهم يوجدون مجاليا في العالم القروي،  فيما جزء آخر يقطنون بضواحي المدن الكبرى zones péri urbaines. فما هو وقع هذه السياسات على المستوى المجالي؟
والعالم يحتفل في11 دجنبر باليوم العالمي للجبال، ومعه المغرب. فماذا أعددنا لسكان الجبال، وما هو حظهمفي الاستفادة من البرامج الاجتماعية، وما موقعهم من منظومة الحماية الاجتماعية؟

فأولويات إصلاح المنظومة تسائلنا جميعا، خصوصا وأن بلادنا تعرف شيخوخة هرم الساكنة وارتفاعا في عدد المصابين بأمراض مزمنة ومكلفة، وتعرف فوارق صارخة بين العالمين القروي والحضري. ونعيش كذلك في ظل اختلالات في حكامة المنظومة ( أنظمة الحماية الاجتماعية وتأخر المغرب في مجال الصحة الرقمية.)

وجدير بالذكر، أن الجانب الوقائي الأساسي والمحوري في المنظومة هو تنشيط الاقتصاد وتوفير الشغل لأنه مصدر للاستقلالية والحرية  والتطلعإلى المستقبل بأمل وثقة.
السيد رئيس الحكومة المحترم،
وبالحديث عن الكلفة الحقيقية لكل إصلاح، فلا بد هنا من الإشارة إلى أننا قد أضعنا 20 سنة منذ سنة 2000 (تاريخ صدور قانون الضمان الاجتماعي)،  فهل قامت الحكومة بدراسة إجمالية لتقييم الحاجيات ووضع الأولويات؟
وبالرغم من أن مسار إرساء منظومة التغطية الاجتماعية هو مسار تراكمي، فقد جاء قانوني  98.15 و  99.15 في مسار تشريعي بطيء، وبعد سنة 2015،  المخصصة لمحاولة إقناع الفرق البرلمانية بالتصويت عليها، مرت سنتان إلى ثلاث سنوات،  وجاءت مرحلة المراسيم التطبيقية…فيما بقي مشروع قانون 63.16 الذي يهم التغطية الصحية للأبوين منذ سنة 2015 حبيس مجلس المستشارين. … والأمثلة كثيرة !
وندعو في هذا الباب إلى الإسراع بتنزيل النصوص التشريعية،وخصوصا المراسيم التطبيقية المصاحبة لها ( وضمنها قانون 98.15 الخاص بالمستقلين والمهن الحرة).
وإجمالا، احتاج المغرب إلى سنتين لوضع المنظومة الصحية، ولسنوات أخرى لوضع قواعدها ولاستكمال المنظومة الاجتماعية ( التقاعد-التعويض عن الأطفال –  التعويض عن فقدان الشغل- … ) وتضييع الوقت له كلفة  اقتصادية واجتماعية عالية ومكلفة، لأن فئات عديدة عانت كثيرا، وأدت الثمن غاليا، وأضحت عرضة للهشاشة، وللعديد من الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والنفسية…  وأن تعطل المنظومة بأي شكل من الأشكال، ولأي سبب من الأسباب، يضع الثقل على كاهل الدولة، وينتقل العبء ليوضع جزءهاممنه على عاتق الأسر. مما لا يساهم في إطلاق دينامية طبقة وسطى قوية ومساهمة.
وقد حان الوقت لتجاوز وضع الانتظارية. ففئات ستطرح صعوبات أكيدة. وعلينا بذل الجهد لجعلها تندمج في السوق المنظم،   وهو ما قد يسهل باقي التدابير التقنية ومراجعة المنظومة ككل.
فالاتفاقية الدولية رقم 102 تضع على الدولة مسؤولية رعاية المنظومة، والتوصية 202 لمنظمة العمل الدولية تفرض بذل المجهود لضمان الادخار الوطني لهذا الغرض.

فماذا أعدت الحكومة بهذا الخصوص؟
السيد رئيس الحكومة المحترم،
قد سبق لصاحب الجلالة، بمناسبة إحداث اللجنة المكلفة بإعداد تصور للنموذج التنموي،أن أكد بأن حجم الخصاص الاجتماعي وسبل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية من أهم الأسباب التي دفعت إلى تجديد النموذج التنموي.
والواقع يؤكد بأن الدول التي تتوفر على منظومة ناجعة للحماية الاجتماعية هي تلك التي بمقدورها امتصاص الصدمات الاقتصادية وإعادة تشغيل عجلة الاقتصاد وإحداث مناصب الشغل.
وبخصوص منظومة الحماية الاجتماعية، قد نود النظر إلى نصف الكأس الفارغة، أم إلى نصف الكأس المليئة، لكننا نود الخروج من منطق تشخيص الداء، الذي نعرفه جميعا، ونعرف النواقص التي تعتري المنظومة.
نحن في حاجة إلى اقتراحات عملية كفيلة ببلورة وهندسة حماية اجتماعية ترقى لتطلعات المغاربة. وهو ما يحتم على المواطن المغربي أن يكون منخرطا ومساهما ومنتجا.
إننا في حزب التقدم والاشتراكية نساهم بانتظام في إنارة الطريق، ونساهم بمقترحاتنا في مجال الحماية الاجتماعية في مختلف المحطات، ومن ضمنها ما تضمنته المذكرة الخاصة لمقترحات النموذج التنموي، وحول تداعيات جائحة كورونا  … وغيرها.
وبعيدا عن اجترار القراءات للواقع الذي نعرفه جميعا، نحاول أن نساهم بشكل إيجابي في إيجاد الحلول الكفيلة بتقوية الحماية والرعاية الاجتماعية،لكي نجعل من السنوات الخمس المقبلة، سنوات لترجمة الإرادة السياسية القويةإلى فعل ملموس، ومؤثر على المسار التنموي للبلاد.
فكيف سيتم تعميم نظام للتقاعد في ظروف تتميز بتدهور النسبة بين الفئات النشيطة والمتقاعدة، بينما سوق الشغل يمنح فرصا أضعف للاندماج الاقتصادي والاجتماعي؟ ويبدو أنه من الضروري التفكير بجدية في تدبير شمولي للمنظومة تماشيا مع الرهان الملكي، ولكي يكون التعميم فعليا وملموسا.
السيد رئيس الحكومة المحترم،
إننا نؤمن بالترابط الفعلي والعضوي بين مختلف العناصر: فتحدي تجويد المنظومة الصحية ككل، من بنيات تحتية وموارد بشرية، ومن تجهيزات بيوطبية، بتوفير بيئة مواكبة للإصلاح، يوازيه جهد تحسين العرض الطبي والصحي وتحسين الخدمات الاستشفائية، وفي مقدمتها الرفع من ميزانية وزارة الصحة. وندعو إلى الاهتمام بالبحث العلمي، وجائحة كورونا أبانت عن مظاهر الضعف في هذا المجال. وعلينا في ذات الوقت أن نحرص على التوفر على وظيفة عمومية استشفائية fonction publique hospitalière.
وندعو في ذات الوقت إلىتبني  طب الأسرة، لكي تتوفر الأسر المغربية على طبيب مرجعي. كما أننا ندافع في حزب التقدم والاشتراكية عن الخدمة الصحية الإجبارية service sanitaire obligatoire للحد من الفوارق المجالية  في مجال الرعاية الصحية وفي توزيع الخدمات الصحية وحماية حق المواطن المغربي  في خدمات طبية واستشفائية متساوية.
ونطالب في حزب التقدم والاشتراكية بإحداث قانون للصحة العمومية والأمن الصحي، مع خلق وكالة وطنية للصحة العمومية، بهدف تجميع الجهد الحكومي في المجال الصحي، ومنع التشرد وتشتيت الجهد الجماعي في هذا المجال.
كما ندعو إلى التفكير في إلزامية التغطية الصحية، لأن الصناديق تضامنية بين الأجيال وبين الفئات، مع التنزيل التدريجي والتشاركي مع المهنيين والمستفيدين، وخاصة فيما يخص الاشتراكات، وفيما يخص التصنيف، وفقا للمداخيل الجزافية، وغيرها من الإشكاليات المرتبطة بسبل التمويل.

وندعو كذلك، إلى التحضير منذ الآن للتغطية الصحية التكميلية couverture médicale complémentaire وفتح النقاش مع التعاضديات ومع النقابات ومع القطاع الخاص، ولم لا التفكيرفي دور الصندوق الوطني لمؤسسات الاحتياط الاجتماعي CNOPS في هذا المجال.

 

السيد رئيس الحكومة المحترم،

علينا الإقرار اليوم، بأنه، وبالرغم من المكاسب المحققة في مجال الحماية الاجتماعية، فالمغرب غير مندمج فيما هو متعارف عليه دوليا، بالنسبة للتغطية الصحية، وفقا لمعايير لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة… والتي تعتبر التغطية الصحية الاجتماعية الشاملةحقا من حقوق الإنسان وضرورة اقتصادية واجتماعية. وتعتبرها نوعا من إعادة توزيع الثروات،  لأنها تلعب دورا حاسما في إعادة توزيع الدخل وتساهم في الإدماج الاقتصادي للمواطنين، وخصوصا منهم الذين يوجدون في وضعية هشاشة. فلا مكاسب اجتماعية تحقق، بدون نظام اقتصادي يضمن الحقوق، ويكفلها ويفعلها، ويحترم في ظله القانون.
وقد أبانت جائحة كورونا بأن 6 مليون مغربي لجؤوا لطلب الدعم إبان الجائحة والحجر الصحي المصاحب لها. وأن ارتفاع نسبة الهشاشة يؤثر لا محالة بشكل سلبي في الاستقرار الاجتماعي ويرهن الاستقرار السياسي.
إن إشكالية الرؤية المندمجة حول الرعاية والحماية الاجتماعية، تطرح علينا من الجانب الهيكلي والإداري، ضرورة رفع رهانات مجتمعية تسائل النظام الاقتصادي والاجتماعي برمته، وتدعونا إلى تحرك قوي وشجاع ومقدام في هذا المجال، حيث يعتبر المجال الصحي والمجال الاجتماعي من أهم الأنشطة المنتجة للثروة والمدرة للشغل وللتنمية المستدامة.
ولا يمكن اعتبار المحدودية الاقتصادية حاجزا وعقبة، بل محفزا أساسيا لتطوير التغطية الاجتماعية، لأن الحماية الاجتماعية أداة لتقليص الفوارق وتعزيز التماسك الاجتماعي وأداة للرفع من النمو الاقتصادي.
ويجب إعادة النظر في منظومة الحياة الاجتماعية ككل، لكي يتمتع المغاربة، بشكل تضامني وباعتماد مسار تشاركي، بتغطية لائقة في جميع مراحل حياتهم.
فما زال لدينا إحساس مرير، بأننا نسير بسرعتين، فقسم من المغاربة معنيون ببعض المنجزات الاجتماعية،ولو على قلتها ونواقصها،فيما قسم آخر يبقى للأسف خارج التغطية.
فــ 3 مليون من المأجورين في القطاع العام والخاص يستفيد أبناءهم من التغطية الاجتماعية… بمعنى أن ملايين من الأطفال المغاربة ( 52 % ) لا يستفيدون من التغطية الاجتماعية، مع وجود برامج للدعم الاجتماعي،(كتيسير … وبرنامج مليون محفظة … وغيره). كما أن التعويض عن فقدان الشغل يوجد في بداياته. وأن أغلبية الفئات النشيطة لا تتوفر على تأمين اجتماعي خاص بحوادث الشغل وبالمخاطر المهنية. فيما بلغ عدد المساهمين في أنظمة التقاعد الأساسية 4.6 مليون شخص (2018 ).
وهذا يعني أن جزءا كبيرا من المغاربة، الذين يشتغلون، يوجدون خارج دولة الحق والقانون، فيما يخص التغطية الاجتماعية.  وهذا إشكال سياسي في المقام الأول. ومسؤولية تحقيق هذا الحق وإحقاقه تقع على الدولة في المقام الأول. وعلى الحكومة كجهاز تنفيذي تقديم مقترحات في أفق سنة 2025 في هذا الاتجاه.
وهذا ما كنا نتمناه من خلال مرتكزات مشروع القانون المالي لسنة 2021 الذي تدارسه البرلمان، والذي لا يؤسس، مع الأسف، بشكل قوي لمنظومة الحماية الاجتماعية، كركيزة أساسية لبناء العدالة الاجتماعية في بلادنا.
ولقد قدمنا عدة تعديلات كان من المأمول أن تمكن الحكومة في الشروع في بناء منصة قوية للإقلاع ووضع إطار شمولي ومندمج للحماية الاجتماعية، إلا أن الحكومة ارتأت رفضها بكاملها.
فهل علينا أن ننتظر سنة أخرى، لنعيد نفس التعديلات، ونتمسك بموقفنا، أم أن على الحكومة أن تراجع موقفها، لتجعل من سنة 2021 سنة إقلاع حقيقية في مجال السياسة الاجتماعية، وليس مجرد سنة انتخابية، لا غير.
للإطلاع على نص المداخلة بصيغة البي دي إف PDF
 (انقر فوق الغلاف أسفله)
أة01









الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموقع الرسمي للمستشار البرلماني عبداللطيف أعمو © www.ouammou.net © 2012