الصحة العقلية من منظور حقوقي

مختلون جهة

استوقفتني اتفاقية الشراكة حول مشروع «بناء وتجهيز مركب جهوي لإيواء وإعادة تأهيل المختلين عقليا بدون مأوى»، والتي صادق عليها المجلس الجهوي لسوس ماسة، خلال دورة استثنائية لمجلس جهة سوس ماسة انعقدت يوم الاثنين 20 دجنبر 2021، فاستدعت مني بسط عدد من التساؤلات المرتبطة بالصحة العقلية من منظور حقوقي.

فمن الخلاصات العامة لتقرير المجلس الوطني لحقوق الانسان حول الصحة العقلية الصادر في دجنبر 2012 أن الصحة العقلية لا تحظى، باعتبارها ضرورة وشرطا لرفاه المواطنين، بالمكانة اللائقة بها في السياسات العمومية.

ومن هذا الجانب، يظهر أن هناك حاجة ملحة إلى تقوية دور الجماعات الترابية والمؤسسات وهيئات المجتمع المدني، الإحسانية منها والمجتمعية، وتكثيف المجهود من أجل التعاون والتآزر لتحديد الإطار السليم والناجع والمستدام للحد من هذه الظاهرة وتطويقها، مع التأكيد على أن معالجتها لن تتم بأنصاف الحلول أو التضحية بالمرضى، من منطلق أنهم أصبحوا عالة على المجتمع، كما ينظر إليها لدى بعض الشعوب.

Le-Conseil-de-la-région-de-Souss-Massa

وبدون شك، أن جهة سوس ماسة يحركها هذا الهاجس، في ظل غياب سياسة عمومية متكاملة ومتماسكة ومنسجمة في القطاع الصحي، كما ظهر ذلك بشكل جلي خلال فترة جائحة كورونا.

فبادرت إلى خطو خطوة نحو بناء وتشييد مركز سمته »  المركب الجهوي لإيواء وإعادة تأهيل المختلين عقليا بدون مأوى« بالتشارك مع ولاية الجهة وعمالات الأقاليم المكونة لها، وفي إطار برنامج التنمية البشرية.

فإذا أحيط هذا المشروع بدوافع وأسباب تعود أساسا إلى ما يحمله المجال العام، خصوصا في المجال الحضري، من مظاهر تتمثل في تواجد عدد من المرضى المختلين عقليا في الفضاء العمومي، بتمظهرات مختلفة تثير الخوف والاشمئزاز، فإن معالجة الأمر لا يمكن أن يتم من منطلق بناء مأوى قد يشبه معتقلا، تحت مظلة تأهيل المرضى.

كما أن معالجة الأمر لا يمكن أن تنحصر في بناء مبنى تحت اسم »  المركب الجهوي « دون ضمان توفير الشروط الأخرى التي تجعله مندرجا ضمن تصنيف المؤسسات الصحية، كما ينص عليها القانون الإطار رقم 09.34 المتعلق بالمنظومة الصحية وعرض العلاجات، وذلك لعدة أسباب منها:

  • أن الخلل العقلي هو مرض من الأمراض التي تصيب الإنسان، وتفرض حمايته وتوفير العلاج الضروري على عاتق الدولة والسلطات العمومية، كما ينص على ذلك الدستور،
  • أن اختصاص بناء وإيواء ومعالجة ذوي الخلل العقلي، لا يمكن أن يتم إلا داخل المستشفى أو المؤسسات الصحية التي توفر العلاج الكامل، وفقا للقانون المذكور، شأنه في ذلك شأن جميع الأمراض الأخرى،
  • أن اختصاص بناء المؤسسات الصحية يرجع أصلا إلى الدولة، وليس ضمن اختصاصات الجهة، كما حددها القانون التنظيمي 111.14. ولا يمكن للجهة أن تمارس هذا الاختصاص إلا في نطاق الاختصاصات المنقولة، كما تنص على ذلك المادة 94 من القانون المنظم للجهات،
  • أن المنظومة الصحية كما عرفها وحددها القانون الإطار رقم 09.34 لا تعرف ما يسمى بـ »مركب إيواء وإعادة تأهيل المختلين عقليا بدون مأوى« ، حيث لا يدخل هذا المصطلح ضمن مكونات المنظومة الصحية،
  • أن تصور معالجة الظاهرة من خلال إيجاد بناية ومركب معماري مخصص لتجميع وإيداع المختلين عقليا، قد يسهل حرمانهم من الاستفادة من المنظومة الصحية ويبعدهم من النظام الانساني الذي يحميهم بكافة حقوقهم وفق النظام المغربي،

ومن شأن عدم استحضار شروط المعالجة والعودة إلى إحياء ظاهرة المراكز العشوائية – إن لم نقل المعتقلات المخصصة لإيداع وقيد المختلين عقليا – على غرار نموذج  ” بويا عمر !” الذي تم إغلاقه بصفة نهائية، وفقا لما تقتضيه وتفرضه منظومة حقوق الانسان.

71700f5c-5cc7-4b21-860d-06f25abe4448_16x9_600x338

فوفقًا لآخر مسح وبائي وطني، فإن قرابة 40٪ من سكان المغرب الذين تفوق أعمارهم 15 سنة يعانون أو كانوا يعانون من اضطراب عقلي أو نفسي. وتتوزع هذه الاضطرابات على 26.5٪ من الاكتئاب، 9٪ من الـقلق الحاد أو من الـضيق الـنفسي ، فيما 5.6٪ يعانون من اضطرابات  ذهانية  أو من نوبات نفسية. وتعتبر المرأة هي الأكثر تأثرا (48.5٪ مقابل 34.3٪ من الرجال) بجانب سكان المناطق الحضرية والمطلقين والعاطلين عن العمل. وبشكل عام، فوفقًا لـمعطيات منظمة الصحة العالمية. وكمؤشر، فالاضطرابات العصبية والنفسية تمثل 15.8٪ من العبء الاستشفائي الإجمالي في المغرب.

ويمكن تحسين حياة الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية وبالاختلالات العقلية بعدة طرق ووسائل.  ومن ضمنها السياسات والخطط والبرامج التي تؤدي إلى تجويد الخدمات. كما أن تنفيذ هذه السياسات والخطط والاستراتيجيات، يحتاج إلى تشريعات جيدة ولقوانين تضع السياسات والخطط في سياق معايير حقوق الإنسان والممارسات الجيدة والمثلى المقبولة دوليًا.

إن واجب حماية ورعاية كل مريض، جسديا كان أو نفسيا، هو أساسا من واجبات الدولة المركزية. ولا أحد يجادل اليوم بأن المغرب حقق تراكمات إيجابية، يتعين تثمينها وتعزيزها وتقويتها، في سياق الالتزام بالمعايير الدنيا لحقوق الانسان، كما هو متعارف عليها دوليا.

فصكوك حقوق الإنسان ذات الصلة بالصحة العقلية عديدة وغنية، ومن ضمنها أساسا المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذا بجانب المادة 24 من اتفاقية حقوق الطفل، والمادة 12 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والمادة 5 من اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز العنصري، إضافة إلى دستور منظمة الصحة العالمية، والاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص المعاقين. وكلها صكوك تم التوقيع والمصادقة عليها من طرف المغرب.

كما يجب استحضار وثائق مرجعية دولية إضافية، تعتبر امتدادا للإلتزامات الدولية في هذا المجال، ومن ضمنها: مبادئ حماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي المعتمدة بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 46/119 المؤرخ في 17 دجنبر 1991، بجانب القواعد المعيارية لتكافؤ حظوظ الأشخاص المصابين بعجز، إضافة إلى إعلان كاركاص، وإعلان مدريد، وكل ما يتعلق بتشريع علاجات الصحة العقلية: عشر مبادئ أساسية لمنظمة الصحة العالمية، إعلان وإطار عمل صلامنكا حول التربية على الاحتياجات الخاصة، ومجمل تقارير منظمة الصحة العالمية حول الصحة في العالم، والتي تورد الصحة العقلية ضمن انشغالاتها الاساسية.
هذا بجانب الإطار القانوني والمؤسساتي الوطني، المتمثل في دستور 2011 (خصوصا الديباجة والفصل31) والقانون الخاص بالصحة العقلية مجسدا في ظهير  30 أبريل 1959 المتعلق ب “الوقاية من الأمراض العقلية ومعالجتها وحماية المرضى المصابين بها”. إضافة إلى التشريع الجنائي الذي يهم العديد من المقتضيات ذات الصلة بالصحة العقلية، وتشمل القانون الجنائي (في فصوله 61 ومن 75 إلى 82 ومن 134 إلى 137) ؛ وقانون المسطرة الجنائية (المادتان 389 و 435)؛ والقانون المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين عليها والمؤرخ في 21 ماي 1974؛ والتشريع المتعلق بتنظيم المستشفيات (مرسوم 13 أبريل 2007  المتعلق بالتنظيم الاستشفائي وقرار 6 يوليوز 2010 بشأن النظام الداخلي للمستشفيات.. وغيرها من المقتضيات القانونية المنظمة لمجال رعاية المرضى والمختلين عقليا بشكل خاص. ومن المؤكد أن الأشخاص المصابين بخلل عقلي يكونون، بشكل خاص، أكثر عرضة لسوء المعاملة ولانتهاك حقوقهم.

وأن وضع تشريعات وقوانين تضمن الحماية المثلى للمواطنين المستضعفين (بما في ذلك الأشخاص المصابين بخلل عقلي) هو انعكاس لمجتمع يحترم نفسه ويهتم بمواطنيه. فبالإضافة إلى المعاناة الواضحة التي يسببها الخلل العقلي، يواجه المصابون بها، في صمت، وغالبا بعيدا عن أعين الناس، من وصمة العار ومن الازدراء والتهكم والحط من الكرامة ومن التمييز.

وأن خلق بنيات لإيواء وإعادة تأهيل المختلين عقليا دون إحاطتها بالضمانات الكافية للحدود الدنيا من الكرامة الانسانية هو إخلال بهذه المنظومة. وحسبنا أن المغرب يسير إلى الأمام. وفي تقدمه، لا يجب التفريط في العديد من القيم والركائز.

فالجائحة (كوفيد 19) أبانت على أن المنظومة الصحية غير حامية وغير حاضنة بالشكل الكافي، وأن الضمانات الدستورية تتعرض للتآكل، ومن ضمنها الحق في الحياة والكرامة .

ففي مجال الحقوق المدنية، نص الدستور على الحق في الحياة (الفصل 20) واعتبره أول الحقوق لكل إنسان، ولكل فرد الحق في السلامة الشخصية (الفصل 21) والحق في عدم التعرض للتعذيب أو غيره  من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو الحاطة بالكرامة الإنسانية (الفصل 22). هذه السلامة التي تتعهد بضمانها السلطات العمومية في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع.

كما ينص الدستور على الحق في الصحة بتعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة … والعيش في بيئة سليمة … “(الفصل 31)

وانطلاقا من هذه المبادئ، فإن جهة سوس ماسة، وهي تبادر إلى تكثيف وتنويع تدخلاتها للحد من الخصاص السائد بالجهة. فهي مطالبة بأن تحيط تدخلاتها بالاطار الدستوري والقانوني اللآزمين، وأن تراعي قواعد ومكونات المنظومات التي تنظم مختلف …. كالتعليم والصحة وغيرها… حتى تتجنب تجربة ما حصل في الماضي من إنجاز عدة بنايات دون أن تكون لها أية وظيفة، والتي أصبحت للأسف اليوم مغلقة بدون وظيفة كالمراكز الصحية في العالم القروي، وغيرها،  والاستفادة من تجارب الماضي المتعثرة، ووضع الهدف الأساسي لتنفيذ مشروع برنامج النموذج التنموي الجديد، نصب أعينها، والذي بلور فكرة « ميثاق التنمية«  واضعا الإنسان في قلب المنظومة التنموية، بصفته انسانا كامل الحقوق.

إن العنصر الأول البارز يتمثل في تعزيز عرض الطب النفسي والعقلي، والتكوين الطبي وشبه الطبي، وتحسين التكفل بالمرضى المصابين باختلالات عقلية،  بمدينة أكادير، إثر إعطاء الإنطلاقة الرسمية لأشغال بناء مستشفى الأمراض النفسية بمدينة اكادير في 4 فبراير 2020.

وستشتمل هذه المؤسسة الاستشفائية الجديدة، التي تبلغ طاقتها السريرية 120 سريرا، على مستشفى النهار، وخدمات الطب النفسي، والطب النفسي للأطفال، والطب النفسي للمسنين، ووحدة للطب الشرعي، وأخرى لطب الإدمان، وقطبا للاستشارات الخارجية، وآخر للاستشفاء (رجال/ نساء، وأطفال)، ووحدة للمستعجلات.

ويأتي هذا المشروع لتدعيم وتقوية العرض الخاص بعلاجات الطب النفسي والعقلي بالجهة، والتي تتوفر حاليا على ثلاث مصالح للطب النفسي، على مستوى المراكز الاستشفائية الإقليمية بإنزكان، وتارودانت، وتيزنيت، ومركز طب الإدمان بأكادير.

كما سيمكن من ضمان تكاملية الخريطة الصحية على مستوى الجهة، التي ستتعزز بنياتها التحتية الطبية أيضا ببناء المركز الاستشفائي الجامعي بأكادير، الذي سيكون مستشفى الطب النفسي لأكادير تابعا له.

وينتظر من هذا المشروع الذي يندرج في إطار تنفيذ برنامج التنمية الحضرية لمدينة أكادير (2020 -2024)، أن ينسجم مع استراتيجية وزارة الصحة في هذا المجال، والتي تقتضي خلق مستشفيات جهوية متخصصة في الطب النفسي، بأكادير وبالقنيطرة، وقلعة السراغنة. فهل هذه البنيات المرتقبة ستقدم قيمة نوعية للعرض الصحي القائم؟

مع العلم أن من توصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان، منذ سنة 2012، التخلي رسميا وإداريا عن إحداث المستشفيات الجهوية السبعة التي كانت مبرمجة، مع تخصيص الميزانية التي كانت مرصودة، لتحسين وضع المؤسسات العمومية للطب النفسي الموجودة أصلا… ووضع معايير دنيا لعمليات البناء والترميم تأخذ بعين الاعتبار خصوصية هذا النوع من البنيات، وذلك في انتظار تبني سياسة واضحة المعالم والأبعاد للصحة العقلية. لكن هذه التوصية بقيت حبرا على ورق.

كما سبق للجنة الجهوية لحقوق الإنسان بالحسيمة – الناضور أن نظمت مائدة للنقاش حول موضوع “واقع الصحة العقلية على ضوء تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان” في أبريل 2013. وقد كان الهدف من توصيات اللقاء إبراز الروابط القوية القائمة بين الصحة العقلية وحقوق الإنسان في شموليتها وكونيتها وعدم قابليتها للتجزئ وإثارة الانتباه إلى تلازم الصحة العقلية والصحة الجسدية وأهمية الصحة العقلية كمكون أساسي للصحة العامة للأشخاص وكشرط أساسي للعيش الكريم، وكذا التحسيس بمستلزمات الوقاية من الأمراض العقلية ومعالجتها وضمان حقوق المرضى في علاج يحترم كرامتهم ومواطنتهم، فضلا عن تحسيس المجتمع بارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض العقلية وجسامة آثارها السلبية على المصاب شخصيا، وعلى الاقتصاد الوطني والمجتمع بشكل عام. لكن الحكومة لم تساند هذه المبادرة، وبقيت خلاصاتها وتوصياتها بعد قرابة عشر سنوات حبرا على ورق.

ويتمثل العنصر البارز الثاني في شكل ومضمون الاتفاقية، حيث وقع اتفاقية الشراكة الرامية إلى بناء وتجهيز مركب جهوي لإيواء وإعادة تأهيل المختلين عقليا، والي جهة سوس ماسة وعمال أقاليم وعمالات الجهة، فيما اقتصرت وظيفة ومهام المديرية الجهوية للصحة في التأطير والمواكبة والمساهمة في توفير الموارد البشرية المتخصصة، في حدود الامكانيات المتاحة.

فإذا كانت الجهة ستساهم في بناء المؤسسة، فإن تحرير اتفاقية الشراكة بالصيغة التي تمت المصادقة عليها، تشير للمدير الجهوي لوزارة الصحة كأحد الأطراف، مع تحديد تدخله في مجرد التأطير والمواكبة والمساهمة بالأطر البشرية، إذا كانت متوفرة أصلا. مما يجعل مركز الحكومة في الاتفاقية يكاد أن يكون منعدما.

مما يعني أن الاتفاقية بعيدة عن التأسيس لمفهوم المؤسسات الصحية، كما عرفها القانون الإطار رقم 09.34 المتعلق بالمنظومة الصحية وعرض العلاجات، بما في ذلك حق المريض في الكرامة والعلاج والاستشفاء، وحصر “المختلين عقليا” ومجرد النظر إليهم كعنصر من عناصر تشويه المنظر العام للمجال الحضري، والاقتصار على وضعهم جانبا وإخفاءهم عن الانظار، لما يوحون إليه في المخيل العام، من عنف وتخويف وتهديد وخطر على مستعملي المجال العام، بدل تطويقهم بالرعاية الصحية الواجبة والمواكبة الاجتماعية باعتبارهم مرضى يحتاجون للرعاية الصحية، من منطلق أن الصحة العقلية هي حالة تمكن بني البشر، من إيجاد التوازن العاطفي والاجتماعي والحفاظ عليه: وهو كذلك إعطاء معنى للحياة، وتقبلها بهدف تحمل الواقع المعاش، وإيجاد أجوبة صحية تضمن التكيف مع الاحتياجات الصحية للفرد، مع احترام الخصوصية والكرامة الفردية. وهي متطلبات، تتعدى الجانب الأمني، ولا تلغي الحاجة الأصلية والأساسية للرعاية وصون الكرامة وبناء الانسان وضمان حقوقه، كما ورد في المادة 12 من القانون الإطار 09.34.

إن الاضطرابات النفسية والعقلية والعصبية والاضطرابات الناجمة عن الاختلالات العقلية شائعة وواسعة الانتشار لدى مختلف الفئات المجتمعية، وتسبب عبئا كبيرا على الصحة العامة، وهي ترتبط بالفقر والتهميش والحرمان الاجتماعي. وتؤدي الوصمة وانتهاكات حقوق الإنسان للمصابين بهذه الاضطرابات إلى تفاقم المشاكل وتعقدها، سلوكيا وصحيا واجتماعيا واقتصاديا.

وتمكن التدخلات الفعالة، والتي يمكن تنفيذها حتى ولو كانت الموارد شحيحة وضعيفة، إلى خفض هذا العبء الجماعي. ويتعين النهوض بخدمات تغطية الاضطرابات النفسية والعصبية والعقلية، بشكل يضمن أن تكون الرعاية المتاحة متناسبة مع مقدار الحاجة. وهذا، بدون شك هو الهاجس الأكبر لدى مسؤولي جهة سوس ماسة، يبرر اندفاعهم نحو بناء مركز للإيواء المختلين عقليا ولا يمكن إلا أن نشاطر هذا الهاجس، إلا اننا نلح بقوة على وجوب إحاطة المشروع بالضوابط والمعايير التي تفرضها منظومة حقوق الإنسان ببلادنا.

لأن من الأهداف الرئيسية لرأب الفجوة في الصحة النفسية وضع الصحة النفسية على أولويات جدول الأعمال للصحة العامة، ووضعها تحت المسؤولية المباشرة لوزارة الصحة، وذلك بالنهوض بالرعاية المقدمة إلى مجموعة من الحالات المرضية ذات الأولوية باستخدام حزمة تدخلات مستندة إلى بيانات رسمية محينة، تسمح بوضع خارطة طريق قابلة للتنفيذ عمليا.

وهو ما يدعو إلى تقديم الدعم المطرد المتسم بالالتزام والقيام بجهود منسقة لمساعدة كل المتدخلين، في إطار من التشارك والالتقائية، المرتكزة على تحسين تغطية وجودة الخدمات، مع توضيح الرؤية وبلورة التوجيهات العامة، خاصة حول كيفية تلبية هذه الحاجة الخاصة من حاجيات الصحة العامة.
إن النهوض بالرعاية الصحية النفسية للمواطنين، هو أولا وقبل كل شيء، عملية اجتماعية وسياسية ومؤسسية، تنطوي على مشاركة العديد من المتدخلين، والكثير من المساهمين والجهات المعنية والمنظمات والهيئات المدنية وهيئات المجتمع المدني. ولا تقتصر فقط على جهد في البنيات والبنايات.

وهي عملية تحتاج إلى دعم تقني ومعرفي من المهنيين العاملين بقطاع الصحة في مجال الاضطرابات النفسية والعصبية والاضطرابات الناجمة عن معاقرة مواد الإدمان، وتحتاج لمؤازرة المجتمع المحلي، وأسر المرضى – بدعم من المجتمع الدولي –  وباستلهام للتجارب الدولية المثلى .

فهم جميعا مقيدون بمسؤولية مشتركة في سبيل النهوض بالرعاية الصحية النفسية بصورة ناجحة وناجعة، من خلال التقدم إلى الأمام في بناء شراكات وتحالفات مبتكرة. وينبغي الحصول على التزام جميع الشركاء بتلبية هذه الحاجة الملحة من حاجات الصحة العامة.

ومن المبادئ الأساسية لحماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي، ومن شروط تحسين العناية بالصحة العقلية، الحرص على :

  1. ضمان تمتع جميع الأشخاص بحق الحصول على أفضل ما هو متاح من رعاية الصحة العقلية، التي تشكل جزءا من نظام الرعاية الصحية والاجتماعية.
  2. معاملة جميع الأشخاص المصابين بمرض عقلي، أو الذين يعالجون بهذه الصفة، معاملة إنسانية مع احترام ما للإنسان من كرامة أصيلة.
  3. ضمان الحق في الحماية من الاستغلال الاقتصادي والجنسي وغيرها من أشكال الاستغلال، ومن الإيذاء الجسدي أو غير الجسدي أو المعاملة المهينة.
  4. عدم إجازة أي تمييز بدعوى المرض العقلي. ويعني “التمييز” أي تفريق أو استبعاد أو تفضيل يؤدي إلى إبطال أو إضعاف المساواة في التمتع بالحقوق.

لقد آن الأوان للإلتزام بالقيام بالعمل المطلوب، والرامي إلى تحقيق طفرة نوعية تحدث تغييرات مجتمعية في المواقف تجاه الأشخاص المصابين بهذه الأمراض النفسية، دون التفريط في الجانب الحقوقي ودون إلغاء الحاجة الأصلية والأساسية للرعاية وصون الكرامة وبناء الانسان وضمان حقوقه.

عبد اللطيف أعمو

عضو مجلس جهة سوس ماسة









الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموقع الرسمي للمستشار البرلماني عبداللطيف أعمو © www.ouammou.net © 2012