وفاة المحامي الفرنسي جاك فيرجيس: وفاة محامي لامع وموهوب

Jacques_Verges240210300

لقد أثارت وفاة المحامي جاك فيرجيس يوم 15 غشت 2013 عن سن يناهز 88 سنة العديد من ردود الفعل من طرف زملائه بهيئة باريس، ومن طرف وسائل الإعلام. لأننا قد نحب فيرجيس أو نكرهه، قد نتفق معه أو نختلف، لكنه بالتأكيد شخصية مميزة لا يمكن أن نواجهها باللآمبالاة.

فقد وصفه بعض زملائه بالشخصية “المعقدة” و”الشجاعة”. فيما آخرون فضلوا الاحتفاظ في ذاكرتهم بحيوية وقوة جاك فيرجيس وبقتاليته في شبابه من أجل استقلال الجزائر أو من أجل الدفاع عن قضايا الشعوب المضطهدة في العالم كنموذج للمحامي المناضل.

فيما صنفه آخرون كنموذج للمحامي “المتمرد” و”المستقل” الذي كان مسكونا بهاجس “الآخر” المختلف والمجسد في الأقليات العرقية وفي المظلومين، والمسحوقين. فهو نموذج المحامي الذي كان يستفز الحقيقة باستمرار ليوصلها إلى خندقها الأخير ويروض القانون بمهارة وبحس مهني راقي ليمزجه بالأجواء السياسية المصاحبة له.

لقد أدخل جاك فيرجيس إلى قاموس مهنة المحاماة مفهوم “الرؤية السياسية” كتجربة فريدة من نوعها ضمن النضالات الكبرى للقرن العشرين.

كما تأسف العديد من رجال القضاء الفرنسيين للخسارة الكبرى بوفاة أحد أعمدة هيئة المحامين بباريس، بحكم أن جاك فيرجيس سيترك فراغا كبيرا في عالم “المحامين الأذكياء” الذين يملكون موهبة الاستفزاز الذكي للحقيقة.

فهو لا شك محام لامع، يوحي بالخشية وبالكره أحيانا وبالاحترام والتقدير أحيانا أخرى، فقد بنى سمعته كرجل قانون وكمحرض عبقري حول التوظيف الذكي للسخرية وللاستفزاز في خدمة القانون.

لقد ولد جاك فيرجيس في 5 مارس 1925 بأوبون في التايلاند، من أم فيتنامية ومن أب فرنسي. توفيت والدته وهو صغير. فترعرع الطفل جاك وتابع دراسته الثانوية في جزيرة لاريونيون la réunion الفرنسية، وفي سن 17 سنة في نونبر 1942 إبان الحرب العالمية الثانية انتقل مع شقيقه بول إلى مدغشقر، ثم إلى لندن حيث التحق بالمقاومة في قوات فرنسا الحرة في سنة 1942. سافر عبر أوروبا التي مزقتها الحرب ثم إلى الجزائر والمغرب وألمانيا المحتلة.

 وانخرط الشاب فيرجيس في الحزب الشيوعي الفرنسي في سنة 1945، لمدة خمس سنوات، وكان على رأس رابطة طلاب لاريونيون.

 ما بين 1951 و 1954 أصبح عضوا في اللجنة التنفيذية للحزب الشيوعي الفرنسي وسكرتير الاتحاد الدولي الشيوعي للطلاب. وفي سن 29 سنة، استقال من الحزب، وعاد إلى جزيرة لاريونيون ، حيث تسجل هناك بهيئة المحامين.

 شكل تاريخ أبريل 1957 نقطة تحول في حياة فيرجيس، حيث دعي إلى الجزائر، وهو لم يراكم سوى ثمانية عشر شهرا من الخبرة في مهنة المحاماة ، للدفاع عن جميلة بوحريد، وهي شابة مسلحة من جبهة التحرير الوطني، حكم عليها بالإعدام، ثم تم العفو عنها.  فأصبحت زوجته فيما بعد، وأنجب منها طفلين مريم وإلياس.

 لقد اخترع المحامي جاك فرجيس ما سماه ب “دفاع الانفصال” أو”défense de rupture” باعتبار أن ليس هناك شيء يمكن توقعه من تواطؤ المحامين مع القضاة الذين يمثلون النظام الاستعماري. فجعل من المحاكمة منبرا لفضح النظام الاستعماري وعدالته.

شجاعته ووقاحته الفكرية أثناء المحاكمة، باعتماده لاستراتيجية دفاعية شرسة ضد القضاة، أدت به إلى تعليق عضويته بهيئة المحامين لسنة واحدة في عام 1961، ولكن جبهة التحرير الوطني الجزائرية اعتبرته بطلا، ولقب لديهم ب “المنصور”.

أرسلته جبهة التحرير الوطني إلى المغرب، حيث أصبح مستشارا لوزير الشؤون الأفريقية، وعندما استقلت الجزائر، اعتنق الإسلام وأصبح مواطنا شرفيا بالجمهورية الجزائرية الجديدة. لكن جاك فيرجيس بدأ يبتعد عن موسكو ليقترب من بكين. فغادر الجزائر، فاستقبله ماوتسي تونك. ثم أمضى وقتا غير يسير في بيروت إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية… ثم اختفى لمدة ثماني سنوات. وعاد بعدها بإصدار عمل مسرحي.

طيلة ثماني سنوات من الصمت، حيكت أساطير عديدة حول شخصية المحامي المشاكس، الذي أصدر قرابة 20 كتابا، وأصبح بطل فيلم عنوانه “محامي الرهبة”.

المحامي فيرجيس دافع عن المنهزمين أمام التاريخ من المشاهير أمثال: برونو بريجيت وماجدالينا كوب، رفاق كارلوس، وكارلوس نفسه فيما بعد. كما دافع عن جورج ابراهيم عبد الله، المحكوم بالسجن مدى الحياة. وظل إلى آخر حياته معاديا للصهيونية، كما دافع في عام 1987 عن كلاوس باربي، أحد قادة  laGestapo جهاز مخابرات النازية في ليون سنوات 1942-1944 – وهذا لا يخفي أنه دافع بشراسة ومهنية عالية عن المئات من الزبناء العاديين والبسطاء طيلة 50 سنة من الترافع أمام المحاكم.

ويحلو لي أن أتذكر بمناسبة توديع جاك فيرجيس ما جاء في كتابه الصادر في سنة 2006 تحت عنوان (ويل للفقراء) “أريد أن أظهر من خلال مجموعة من الأمثلة كيف أن العدالة غير عادلة: كيف تكون قاسية للغاية ومجحفة في حق الفقراء والضعفاء، وكيف هي مدللة، ومجاملة ووديعة مع الأقوياء”

كما أتذكر تفسير الأستاذ فيرجيس نفسه لاستراتيجيته الدفاعية قائلا أنه عند قراءة ملف ما، يجد نفسه كأنه يشرف على مونتاج فيلم، وهو أمام المادة الخام. إنها مهنة فنية. فالنيابة العامة تكون في نفس الوضع، لكن النائب العام يمارس أدب محطات القطارات انطلاقا من أماكن مألوفة. فيما يجد نفسه من جهته مجبرا على كتابة رواية جديدة “.


Affaire Omar Raddad : entretien avec Jacques… par lemondefr

كما يحلو لي بمناسبة توديع هذا المحامي اللآمع والاستثنائي أن أتذكر أكثر من أي مرحلة من حياته الحافلة التفاتته  الشجاعة ومطالبته بمراجعة الحكم الصادر ضد عمر الرداد، البستاني المغربي المتهم بقتل مشغلته الفرنسية المسنة. فكان فيرجيس يشرح الدجاجة بالمنشار الكهربائي لتبيان أنه من المرجح أن تتطاير شظايا القضية… لتلقى اهتمام الرأي العام … وانخراطه لصالحها… فكان جاك فرجيس كذلك من أكثر المحامين خبرة في توظيف الإعلام وتليينه لخدمة القضايا التي يتولى الدفاع عنها.

فوداعا … جاك فرجيس… وداعا أيها المحامي اللآمع.









الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموقع الرسمي للمستشار البرلماني عبداللطيف أعمو © www.ouammou.net © 2012