?>

وداعا … الطيب الصديقي

1

تلقيت بعميق التأثر وبالغ الأسى، النبأ المحزن لوفاة المشمول بعفو الله ورضاه، رائد المسرح المغربي الطيب الصديقي الذي وافته المنية بالدار البيضاء ليلة يوم الجمعة 05 فبراير 2016 بعد معاناة طويلة مع المرض  ، عن سن يناهز 79 سنة.

وبهذه المناسبة الأليمة أعرب لأسرة الفقيد المهنية، ولأسرة المسرح الوطنية ولمحبيه وأصدقائه، ولكل أقاربه وذويه، عن أحر التعازي وخالص عبارات المواساة مقدرا فداحة الرزء في رحيل أحد أبرز المسرحيين الذين أنجبهم المغرب في العصر الحديث.

إن هذا المصاب الجلل هو خسارة للإبداع والخلق الفني ككل، حيث كانت للفقيد مناقب كثيرة وتجربة واسعة ومميزة في مجال الهندسة والإبداع المسرحي، انطلقت بتشخيصه لأول دور مسرحي”جحا“ للفرقة الأولى المحترفة التي تسمى”المسرح المركزي المغربي للأبحاث المسرحية التابعة للشبيبة والرياضة“، وبتكوين فرقة «المسرح العمالي» بطلب من نقابة “الاتحاد المغربي للشغل” نهاية خمسينات القرن العشرين بالدار البيضاء.

وقد لا يتسع المجال لجرد كل ما قدمه الفقيد للإبداع المغربي ، تمثيلا وتأليفا وإخراجا وإبداعا تشكيليا . ويكفيه فخرا – رحمه الله – أن  العديد من الوجوه الفنية الرائدة اليوم وطنيا في مجال السينما والمسرح والغناء تتلمذت على يده، واستلهمت من عطاءه الجميل حب المسرح والفن.

وكان للمرحوم الفضل الكبير في التعريف بروائع المسرح ، واستئناس جيل من المغاربة مع روائع الأدب والمسرح العالمي ، من خلال اقتباسات عالية الجودة، حيث قدم مسرحية «الوارث» من اقتباس أحمد الطيب العلج، وبعدها «بين يوم وليلة» لتوفيق الحكيم، ومسرحية «المفتش» المقتبسة عن غوغول سنة 1958، ثم «الجنس اللطيف» من اقتباسه عن «برلمان النساء» لأريستو فان، إضافة إلى إخراجه لمسرحية «فولبون» لبن جونسون، واقتباساته الرائعة بنفحة ونبرة مغربية ، كما هو الحال في اقتباس مسرحية «في انتظار كودو» ل(صامويل بيكيت)، ليخرجها تحت عنوان «في انتظار مبروك»، إلى جانب أعمال غزيرة قد لا يتسع المجال لسردها.

كما يجسد – رحمه الله – التحولات التي عرفها المسرح الوطني طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، معبرا بعطاءه الغزير  والجميل، عن قوة الإبداع المغربي والعطاء السخي ، ولو في ظروف مادية ومهنية صعبة. ولا أحد – من جيلنا المهووس بالمسرح – سينسى مسرحية ‘الحراز’ التي تعدّ علامة بارزة في تاريخ المسرح بالمغرب.

كما أبان رحمه الله خلال مساره المهني عن كفاءة مهنية عالية ومعرفة علمية وخبرة موسوعية واسعة. وارتبط اسمه، رحمه الله، أساسا بإدارته ابتداء من سنة 1965 للمسرح البلدي بالدار البيضاء، فكانت بداية بروز مسرح وطني اعتمد على الثقافة المغربية في بعدها التراثي، فكان مصدر إنتاج أعمال خالدة، ومنها «ديوان عبد الرحمان المجدوب»، «بديع الزمان الهمداني»، «الفيل والسراويل»، «جنان الشيبة»، «الشامات السبع»، «قفطان الحب» و«خلقنا لنتفاهم» دون أن ننسى مسرحية من تأليف عبد الصمد الكنفاوي تحت عنوان «سلطان الطلبة»

وخسارة بلادنا جسيمة كذلك في مجال الإنتاج الفكري والفني في بعده الواسع، حيث خسر المغرب اليوم فنانا كاملا متكاملا، وموسوعة متمكنة في المسرح والإبداع الفني ككل، حيث كان للفقيد اهتمام وإلمام بالمجال السينمائي كذلك من خلال شريطه «الزفت» كما يرجع له الفضل في تقديم أسماء مغمورة، قبل أن تمتهن الغناء، لتصبح معروفة باسم (ناس الغيوان). كما عرف بانشغالاته التشكيلية في مجال الرسم وتقنية السيريغرافيا.

وإننا إذ نستحضر بهذه المناسبة الأليمة، هذا الرصيد الفكري والفني والإنساني،  للراحل الطيب الصديقي، الصويري المنشإ، المغربي الانتماء برصيده التراثي والغنائي والفني المتكامل والمتناغم، والعالمي الانتماء، بحكم أنه أغنى المسرح الوطني بإنتاجات عالمية أوصل المسرح المغربي إلى العالمية. وإذ نستحضر الإنسان، والمفكر، والمبدع، والخبير المسرحي. وما كان يتميز به الفقيد من معرفة فكرية غزيرة ومن خصال إنسانية عالية. نحيي فيه، رحمه الله، وفاءه للمثل العليا، ووطنيته وسمو أخلاقه. ونرجو من العلي القدير أن يوفي الفقيد الكبير أحسن الجزاء، على ما أسدى لبلاده من خدمات جليلة، لكونه من أشهر المخرجين المسرحيين في الساحة العربية، ومن أكثر المسرحيين المغاربة تأثيرًا ونبوغا، وأن يتقبله في عداد الصالحين من عباده، ويشمله بمغفرته ورضوانه، ويسكنه فسيح جنانه.

وإذ نشاطر، أقارب الفقيد ومحبيه، أحزانكم في هذا المصاب الأليم، الذي لا راد لقضاء الله فيه، نسأل الله عز وجل أن يلهم أسرته المهنية وأقرباءه وذويه ومحبيه جميل الصبر وحسن العزاء.

وإنا لله وإنا إليه راجعون. 

عبد اللطيف أعمو

مستشار برلماني

 









الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموقع الرسمي للمستشار البرلماني عبداللطيف أعمو © www.ouammou.net © 2012